الأحد، 24 أغسطس، 2014

Nebraska

كتبت : فاطمة توفيق

التقييم : 4.5/5

بطولة : بروس ديرن ، ويل فورتي ، جون سكويب
إخراج : أليكساندر باين (2013)

في البداية ، لن أتحدث عن الفيلم ذاته بقدر حديثي عن آليكساندر باين ، وروح آليكساندر باين التي تظهر بقوة خلال هذا الفيلم ، فمنذ البداية نشاهد (وودي) الذي يسير من أجل تحقيق حلمه ، ومع بداية الفيلم ستتذكر وارين شميت من About Schmidt ، و بول و جاك منSideways  فكلهم شخصيات أخرجها لنا باين عن أناس يسعون لرحلة يحققون من خلالها أحلام يريدونها .

ومن خلال بداية الفيلم أيضاً ستتذكر وستتعرف من جديد على تلك الألفة التي يخلقها باين منذ بداية أفلامه بين شخصياته وبين المشاهدين لأفلامه ، وفي الحقيقة فكرت كثيراً في سبب هذه الألفة ووجدت أن باين يتحدث في أفلامه عن الأشخاص الذين بسهولة يمكن تسميتهم بالـ Average people ، شخصيات متوسطة ، فهي شخصيات في الغالب تشبه من يشاهدونها ، يحاولون فقط السيطرة على حياتهم والرغبة في تحقيق أحلام قصيرة المدى ، وأيضاً ما يجمع شخصيات الأفلام الثلاثة التي ذكرتها هنا هو القيام برحلة ما بعد الانتهاء من رحلة طويلة في الحياة ، فـ (شميت) و (وودي) قد وصلا لسن متقدم ، فقَدَ شميت فيها زوجته وفقد وودي فيها تقريباً كل ما يستمتع به ، بينما في Sideways كانا بول وجاك وصلا لمنتصفي أعمارهما بدون تحقيق شيء يذكر ، والأهداف التي أرادوها جميعاً من رحلاتهم التي ينوون القيام بها في بداية كل فيلم هي أهداف بسيطة ، في العادة يسهل تحقيقها ، ولكن هل الأمر بالفعل يتمحور حول تلك الأهداف ؟

الرحلات التي يخلقها باين لشخصياته في حقيقة الأمر هي تحريك للمياه الراكدة ، للتعرف على النفس أكثر حتى وإن لم يقصد أصحابها ذلك ، تتغير الخطط كثيراً وتنأى عن أهدافها وتمتلئ بخيبات الأمل ، ولكن باين يخبرك دوماً من خلال أفلامه أن الحياة تستمر ، لا تتوقف عند شيء ، تعوضنا أحياناً كثيرة بما هو أطيب أو أجمل مما كنا نريده ، ربما أقل جموحاً إلا أنه الأنسب والأكثر تفهما لطبيعة شخصياته ولطبيعة الحياة عموماً.

إذا عدت بالحديث إلى نبراسكا تحديداً فسأقول أنه الأكثر ألقاً ورونقاً من بين كل أفلام باين ، فيلم متماسك يمتلك الكثير من العناصر القوية ، السيناريو وجَمعِه بين شخصيتين رئيسيتين متناقضتين ، مختلفتين في العمر ، وفي النظرة للحياة ، وعلى الرغم من أن وودي هو الأب وهو الأكثر سناً إلا أنه الأكثر جموحاً و طلباً وتعرفا على الحياة من ابنه ديفيد ذو النظرة الذاتية القاتمة الراضية بالقليل جداً ، وخلق حوار بينهما كان في منتهى الجمال والذكاء ، بالإضافة لشخصيات أخرى كالأم التي أدتها جون سكويب بمنتهى البراعة والأخ روس وهو بُعد ثالث مختلف تماماً عن وودي و ديفيد ، وكذلك تنوع باقي شخصيات بلدتهم القديمة ، أيضاً الرجوع للماضي من خلال المرور على البلدة والتعامل مع الماضي فيها كان ذكي و كوميدي و مؤلم ، التصوير و تغليفه بتلك الصورة ذات اللونين الأبيض والأسود فقط والتي ترمز للتناقض الذي تشاهده مع التركيز على ما يحدث للشخصيات أكثر وخلق لمسة من الحنين مع العديد من اللقطات التي تنظر فيها الشخصيات للكاميرا مباشرة وكأنها تواجه أنفسها ، وتواجهك أنت كمشاهد ، مع لمسة كوميدية قاتمة في الأمر ، كل ذلك مع الموسيقى الجميلة المعبرة والنابعة من تلك المدن الأمريكية التي هي ليست محط اهتمام اعلامي كغيرها من مدن أمريكا الرئيسية الممتلئة بالنجوم والمشاهير ولكنها - هذه المدن المنسية - ممتلئة بالكثير من الأشخاص المنسيين المغمورين الذين خدموا بلادهم كما يجب ولهم الحق في أحلام بسيطة أو حتى جامحة يحققونها.

بإمكانك أن تتخذ رحلة وودي وديفيد في نبراسكا - ورحلات شخصيات آلكساندر باين في باقي أفلامه - كرمز للحياة عموماً التي نسعى جاهدين فيها لتحقيق أحلام معينة فنحقق غيرها ، أو بإمكانك اتخاذها أيضاً كرمز عن أمريكا أرض الأحلام الموعودة إلا أن الأمور فيها ليست بتلك البساطة ، و لكن ، وفي كل الأحوال و أياً كان ما يقصده باين من أفلامه يكفي تماماً الطريقة التي يخلقها لجعل الحياة تستمر ، الطريقة التي يعوض بها أبطال أفلامه عن خيبات آمالهم المتتالية ، يكفي جداً تلك الحميمية والألفة التي يخلقها بينك كمشاهد وبين شخصيات أفلامه فيجعلهم وكأنهم إنعكاس سينمائي لك ، أو كأنهم أصدقائك ليس فقط أثناء مشاهدتك للفيلم وإنما أصدقاء على المدى الطويل .