السبت، 23 أغسطس، 2014

The Hour of the Furnaces

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 4.5/5

اخراج : أوكتافيو جيتينو ، فيرناندو سولاناس (1968)

"الاسم : ضحية ، اللقب : مُهان ، الحالة : ثائر"

الأفلام التحررية غالباً تُنتج من بلدان قد تحررت بالفعل ، في "ساعة الأفران" نجح أوكتافيو جيتينو و فيرناندو سولاناس في إنتاج مانيفستو تحرري في بلد لم يكن قد تحرر بعد ، فكان صنع الفيلم الوثائقي – ومشاهدته حتى – جريمة في بلد نظامه ديكتاتوري ، لكن تلك الجريمة أصبحت مُسكِّن ومُحفِّز لأي ضمير حي ، بالنسبة لي هو أقرب لمقال ضخم تم مضاعفة قوته الأسلوبية عندما تحول إلى صورة ، درس في محاولة إعادة تأريخ للماضي – حيث "أننا تعلمنا تاريخاً مغلوطاً" – ومحاولة إيجاد طريق المستقبل.

"عملية تحرير كل بلد دائماً ما تكون حدث فريد .. اختراع"

لا يوجد شيء لم يستخدمه الأثنان في صنع ملحمتهما الغير قابلة للتكرار ، تفاصيل أمريكا الجنوبية قبل وبعد الثورات والإنقلابات ، الأرجنتين قبل وبعد "بيرون" ، مظاهر البلد الحضارية و"اللاحضارية" ، الموسيقى الكلاسيكية والعصرية والمحلية ، صور شديدة القرب لوجوه انهكها الجوع والمرض ، رسوم توضيحية لأحداث تاريخية ، لقطات أرشيفية ونشرات أخبار ومقابلات تليفزيونية ، بالإضافة إلى زخرفة الفيلم بالأشعار وبمقولات زعماء الحركات التحررية في العصور المختلفة .

"من يختار موته يختار بذلك حياته"

بعد بحث مضني عما يصلح للمادة الفيلمية ، ثم تنقية ما تم جمعه – وهو كثير – كان لدى الأرجنتينيين الحس الفني لتوظيف ما تبقى وتحرير "النوتة" التي جعلت من الفيلم أيقونة هامة في تاريخ السينما الثورية والوثائقية ، فالكل يعرف النغمات لكن البعض يستطيع العزف ، المهم أن مقدار جمال الفيلم يتجاوز مدى الاتفاق والاختلاف السياسي ، مقدار الجمال يجعل الفيلم حتمي المشاهدة لكل شغوف بالسينما ، مانحاً محبي النظريات البنيوية والتفكيكية متعة ذهنية لا تضاهى .

"القدر .. المصير .. الخلود ، مصطلحات تم استخدامها لتبدو مسؤولة عن حالة سببها الطبقات الحاكمة"

الفيلم تم تقسيمه إلى ثلاثة أجزاء ، الجزء الأول : "الاستعمار الجديد والعنف" يناقش حال الأرجنتين وأمريكا الجنوبية بصورة عامة بعد التحرر من الاستعمار الخارجي والوقوع في قبضة الاستعمار الجديد بشقيه ، الاقتصادي الخارجي والاستبدادي الداخلي ، الجزء الثاني : "فعل تحرري" مستعرضاً الأرجنتين خلال المرحلة "البيرونية" وما بعدها ، ظل هذا الجزء محل جدل واعتبره البعض نقطة ضعف للاختلاف حول شخص "بيرون" وسياسته ، بينما الجزء الثالث : "العنف والتحرير" يبحث عن الطريق إلى مستقبل حر لابد من أن يكون العنف أحد مراحل مخاضه .

"لا يمكن أن تحدث ثورة وطنية بدون ثورة اجتماعية مصاحبة"

المثقفان الغاضبان لا يعتقدا أن الأفكار "الفضفاضة" الواردة في الفيلم تقدم حلاً ، ولكن يمكن اعتبارها بمثابة أفكار قد تكون مفيدة للبلدان التي لم تنل حريتها بعد ، والحرية – كما يراها الرجلان – هي حرية من الاستعمار الخارجي والداخلي ، استعمار يلجأ لكافة أساليب السيطرة العسكرية واللاعسكرية كالقروض ووسائل الإعلام وتخريب الضمير الوطني .

"الأطفال تموت بسبب سوء التغذية كل سنة بمعدل أكبر من ضحايا هيروشيما وناجازاكي"

بعد لقاءه بالمخرجين خرج "جودار" بتصريح يُفرِّق بين الأفلام ، حيث يقول أن أثناء مشاهدة الأفلام الإستعمارية تكون الشاشة مجسدة لصوت الزعيم المغري القامع ، أثناء مشاهدة الأفلام المُحرَّفة تكون الشاشة صوت عالي مُفوَّض من قِبل الناس لكنه لم يعد صوتهم حيث يظلون في الظلام ، بينما أثناء مشاهدة أفلام المناضلين تصبح الشاشة سبورة أو حائط مدرسة يوفر تحليل صلب لموقف صلب .

مقولة "جودار" هي ما طبقه جيتينو وسولاناس في فيلمهما بأن تركا "فعلياً" مساحة من وقت الفيلم حتى يناقش المتفرجين الأفكار ، أفكار المتفرجين الشخصية مع أفكار لا نهائية تم عرضها في الفيلم بالإضافة إلى أفكار بالتأكيد تم استلهامها منه ، فيتأثروا ويؤثروا في العالم حولهم ، الفيلم أعجب وألهم كذلك الفرنسي العظيم "كريس ماركر".

"رجل يبعث من الموت ، فيحب الحياة للدرجة التي قد يجازف بحياته كي يحيا تلك الحياة" - جيفارا