السبت، 30 أغسطس، 2014

Shoah

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 4.5/5

اخراج : كلود لانزمان (1985)

"الذكرى مليئة بالثقوب ، لكنك إن أعدت بناء ذات المشهد في حالته صلبة ، لن تحصل على مجرد ذكرى ، لكنك ستحصل على إعادة إحياء الماضي" - كلود لانزمان

هو فيلم صناعته مرهقة ومشاهدته مرهقة والحديث عنه مرهق ، على الرغم من كونه لم يستخدم لقطات أرشيفية أو صور تنقل ما حدث – رغم كثرتها – إلا إن تأثيره كان الأعمق والأكثر فزعاً بصورة أعظم أثراً من أفلام لجأت لتصوير المأساة بالدراما ، فالتعبير – الذي قُتل استخداماً – بأن الفيلم "يجعلك جزء من التجربة" لابد أن يصبح صادق وحتمي في فيلم عظيم مثل هذا.

عنوان الفيلم يعني النكبة / الخراب وهي الكلمة التي أصبحت مرادف للهولوكوست باللغة العبرية ، العضو السابق في المقاومة الفرنسية كلود لانزمان استخدام صور شعرية للأماكن الشاهدة على بشاعة الماضي كما استخدم شهادات مؤلمة كانت بعيدة عن برودة التنظير ، شهادات اقتصرت على الناجيين والجناة والشهود المعاصرين ، لم يهتم بالتسلسل الزمني ولم يستخدم أسلوب الراوي حتى يكون الفيلم تجربة تُجتاز وليس قصة تُروى.

العسكريين النازيين رفضوا التصوير لكن لانزمان لجأ إلى الخداع الاستخباراتي ، أوهمهم أن الحديث سري في الوقت التي كانت الكاميرا مُخبَّأة في حقيبته ، في الخارج ينتظر في الحافلة تقني لالتقاط الصوت والصورة ، اكتشف الخدعة أحد النازيين فأوسع لانزمان ضرباً تسبب في مكوثه شهراً في المستشفى ، بالإضافة إلى مقاضاة المخرج لتصويره بدون إذن.

الأحداث والتحليل لا يوجد لهم مكان كبير في الفيلم ، الوصف يستمر ولا ينتهي ، سائقي قطارات الموت لم يمكنهم تحمل صراخ "الحمولة" إلا عن طريق معاقرة الفودكا التي منحها لهم النازيين بسخاء ، المعتقلين التشيكيين غنوا النشيد الوطني التشيكي أثناء سيرهم منقادين إلى غرف الغاز ، وصف آلية عمل وهيكلة غرف الغاز من قبل أحد النازيين في مقابل وصف حال الجثث وتموضعها من قبل أحد الناجين ، الحلاق الذي كُلِّف بحلق رؤوس النساء قبل إبادتهن فيجد زوجته وسطهن.

كل هذا والمشاهد لا يرى صورة واحدة لما حدث ، فالصورة تقتل الخيال كما قال لانزمان ، تأثير المادة الفيلمية يظل تأثير مادي سطحي ، بينما تأثير الخيال والمحسوس اللامادي يصبح ندبة في الضمير.

لانزمان استغرق في صناعة عمله المُلْهِم إحدى عشر عاماً ، خمس سنوات في مرحلة المونتاج ، 350 ساعة تم تصويرها في أربعة عشر دولة لكن الفيلم بصورته النهائية تكون من تسع ساعات ونصف ، ساهم في طول مدة الفيلم عدم قدرة المحاور / المخرج على الحديث بالبولاندية أو العبرية أو اليديشية لكن لانزمان لم يحذف الجزء الخاص بترجمة المترجم ولم يضع ترجمة مُرافقة المتحدثين ، لم يكن هذا تضييعاً للوقت لكنه منح الفيلم ثقلاً لا يضاهى ، حيث منحنا الوقت الكافي لإلتقاط المشاعر من الوجوه وحركة الجسد قبل أن نعرف معنى الكلام وإن كنا استنتجنا جزءاً من فحواه.

في بعض الأوقات يستغل لانزمان زمن الحديث في استعراض الأماكن (الشاهد الصامت) ، أعتقد أن هذا الزمن "الضائع" – عندما يقوم المترجم بنقل ترجمته إلى المخرج بينما يمكث الشاهد صامتاً – من أفضل عناصر الفيلم ، فالشاهد لديه الوقت ليفكر ويتذكر ويعيد اختبار شعوره ، وهذا ما فعله المشاهد قبله عندما كان يتحدث الشاهد بلغة لا يعرفها المشاهد ، لانزمان منحنا الوقت الكافي للتفكير والإنغماس في الإنهاك الشعوري.

الفيلم جاء في استفتاء مجلة Sight and Sound العريقة كثاني أحسن فيلم وثائقي في التاريخ بعد فيلم فيرتوف المؤسس Man with a Movie Camera ، في حين أنه لم ينل رضا الناقدة الأمريكية صاحبة التأثير بولين كايل لإحساسها بأن الفيلم مُغرِق في جلد الذات لمشاهد غير مذنب ، بينما الناقد كينت جونز أعتقد أن الفيلم لن يكون جلداً للذات إلا لمن يعتقد أن الوقت هو شيء يجب أن يُستثمر ، كما تم إنتقاد لانزمان لإصراره على شهادات بعض العوام الراضية أو اللامبالية بإبادة اليهود ، في حين أنه تجاهل تماماً عمليات إنقاذ البولانديين لليهود ، كما تجاهل ملايين البولانديين الذين تعرضوا للإبادة كذلك .

على أي حال اختيار لانزمان للنحت "بصرياً" في الحاضر يتركنا فريسة لظلال الماضي ومخاوف المستقبل ، ففكرة إبادة مجموعة من البشر لغيرهم لازالت ممكنة في عالم يَفترض البعض أنه قد تعلم الدرس !