الجمعة، 25 يوليو، 2014

Tokyo Story

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 5/5

بطولة : شيشو ريو ، سيتسوكو هارا
إخراج : ياسوجيرو أوزو (1953)

حصيرة من الخيش.

"السيد أوزو .. لقد صنعتُ 11 فيلماً خسيساً لحد الآن وهذا خطأك ! ، في 1976 اجبرني أخي على زيارة معهد الفيلم البريطاني وشاهدت (قصة طوكيو) ، بعدها تخليت عن أحلامي في الأدب ، وقررت أن أبحث عن الغلاية الحمراء ! ، لقد كبرت وأنا تحت تأثير الأفلام الأمريكية ، ما أحترمه أكثر من أي شيء أن أوزو لم يحتاج أبداً لاستخدام جريمة قتل أو بعض العنف حتى يقول كل ما هو جوهري عن حياة الإنسان" - الفنلندي آكي كوريسماكي .

نسق أوزو وتناغمه الشعائري ، دقته المتناهية في تنفيذ أوزانه الشعرية ، مقاييسه العالية التي لا يتنازل عنها ، عوامل ساهمت في إنجاز فيلم اعتبره البعض الأعظم في تاريخ البشر ، فيلم لا يبحث عن تعاطف المشاهد – وإن حصل عليه - لكنه يترك أثر بالغ ودائم لديه ، ويثير مشاعره بشكل غير معهود .

والدان ريفيان يقرران زيارة أولادهم في "طوكيو"، لا يجدا الحفاوة والاهتمام الواجب من قبل الأبناء إلا عند أرملة ابنهما ، تمرض الأم أثناء رحلة العودة وتموت ، يبقى الأب وحيداً مع بنته التي لم تتزوج بعد .

في بداية الفيلم نرى الأب والأم يجلسان في بيتهما وفي نهاية الفيلم نرى نفس الزاوية لكن الأب يجلس وحيداً ، هذا فيلم ليس وعظي وإن حثنا على أن نصبح أفضل ، ليس ميلودرامي وإن أثار المشاعر بعمق ، أوزو لا يمكن تصنيف أفلامه لأنه لا يلعب بنفس الطريقة أو بنفس الأدوات .

كاميرا أوزو الثابتة تحدق في الفراغ (أو هكذا يبدو لنا) لتنقل احساس الزمن والمكان ، موجودة قبل ظهور الممثلين وبعد خروجهم ، فالحياة عند أوزو ظهور واختفاء ، قبل أن يظهر الإنسان كان الكون وبعدما يموت يظل.

أوزو المُحمَّل بتراث شعري ياباني يستخدم الكلمة "الوسادة" للفصل بين الأبيات ، فاستخدم أوزو لقطات الوسائدPillow shots  للفصل بين المشاهد ، وبهذا يفصل أوزو مشاهده بصور للمصانع ، للقطارات ، للتفاصيل الداخلية للمنازل ، لحجرة فارغة ، حتى يمكنك أن تتذوق "طعم البيوت" وطعم المدينة التي يمكن أن تكون أي مدينة / منزل ، وأحياناً يتم استخدامها للتهدئة و إلتقاط المشاعر وللحفاظ على إيقاع الفيلم .

مع كل تلك التفاصيل يُهمل أوزو – متعمداً – عرض أحداث "هامة" ليعرض تفاصيل ومحادثات "أقل أهمية"، يعيد حسابات الأهمية وينجح في لفت النظر واستثارة المشاعر ، فلا يرينا – مثلاً – حفل زواج في فيلم يدور حول الحدث ، لكنه يضمِّن الحدث فتعرف حدوثه وإن لم تره ، جنَّب هذا أوزو وصم أفلامه بأنها مغرقة في الميلودرامية.
أوزو يتكلم دائماً عن العلاقات الأسرية وبوجه أخص العلاقات بين الأجيال ، بين الآباء والأبناء ، فيقتبس أوزو في بداية أول أفلامه الناطقة " The Only Son1936" عبارة "أكوتاجاوا" – تشيكوف اليابان وصاحب راشومون معجزة كوروساوا – التي تقول "مأساة الحياة تبدأ بالرابطة بين الآباء والأطفال" ، هذا النهج والنضج سيظل يرافق أوزو في كل أفلامه الناطقة .

على الرغم من أن أفلامه لم تُشاهد – كما يجب – خارج اليابان إلا بعد وفاته بسنين ، لكن تقدير سينما أوزو يزيد كلما زادت المشاهدة ، ففي استفتاء مجلة Sight and Sound الأخير والتي تقوم به كل عقد تصدر اختيار المخرجين تحفة أوزو "قصة طوكيو" بينما جاء ثالثاً في اختيار النقاد ، من ضمن المخرجين الذين اختاروا الفيلم : أصغر فرهادي - آكي كوريسماكيمايك ليستيف ماكوينبول شريدربيلا تار .

استشعر البعض أن الفيلم بروباجاندا للمدينة (كيف تكون المدينة مرتبطة بكل هذا الحزن ويكون الفيلم دعاية لها !) ، لكن المدينة ظل لاستمرارية أوزو وثباته التي توحي بأن لا أحد يهتم بقصصكم أو أفراحكم أو مآسيكم ، المدينة ستظل كما هي والمصانع ستظل تعمل والقطارات ستظل تجري ، لكن أوزو يهتم ، "قصة طوكيو" متأثر بفيلم ليو مكاري Make Way for Tomorrow ، أوزو – بوجه عام – كان مهووس سينمائي مخلص وأفلامه لم تخلو من أفيشات الأفلام التي أحبها .

"أصور ما لا ينبغي أن يكون ممكناً في العالم كما لو أنه ينبغي أن يكون ممكناً ، لكن أوزو يصور ما ينبغي أن يكون ممكناً كما لو كان من الممكن ، هذا أصعب بكثير" – ميزوجوتشي .

قد يقصد الفنان العظيم ميزوجوتشي أن في سينما أوزو هناك تنحية مقصودة للمشاعر السلبية كالحقد والكراهية وخلافه ، وافتراض النبل والطيبة في كل شخصياته كما لو أن هذا هو الطبيعي ، سينما أوزو لا تصدر أحكام على الناس ولا تحاول أن تفهمهم ، لكنها تتقبلهم كما هم وتحترمهم جميعاً كما لو أنهم جديرين بذلك ، أو في قول آخر : أوزو صنع أفلام خيالية لكنها ليست كالأفلام الخيالية .

حصيرة من الخيش.