الخميس، 24 يوليو، 2014

Salvatore Giuliano

كتب : فراس محمد

التقييم : 5/5

بطولة : فرانك وولف ، سالفو راندوني
إخراج : فرانشيسكو روسي (1962)

في أفلام من هذه النوعية تبرز قيمة المونتاج لتحافظ على نسق الفلم وتتحكم برتمه وتــُقدمه كوحدة واحدة , وتتكفل بموازنة الزمن داخل الفلم بين ماضي الشخصية وحاضرها , المونتاج يتكفل بمنح الزمن المناسب لتحرير وطرح المعلومات الحاسمة , المونتاج في هذا الفلم حوله من فلم عظيم لمصافي الافلام السياسية التي قدمتها السينما في تاريخها , ووضعه في مرتبة واحدة مع افلام كـ Z لكوستا غافراس و JFK لأوليفر ستون و Battle of Algiers لجيلو بنتكروفو .

بعد الحرب العالمية الثانية ظهرت لدى الاحزاب الصيقيلية نزعة للانفصال وعقدت صفقة مع قطاع الطرق لتحولهم لجناح عسكري وبالمقابل تمنحهم بعد الانفصال حقوقهم المدنية وتعيدهم لحياتهم الطبيعية وتتكفل بشطب جرائمهم , في هذا الفلم تبرز فكرة أن الخسارة العسكرية قد تتحول لانتصار سياسي و العكس صحيح , وأن السياسة لديها القدرة على استغلال كل طلقة , وكل جريمة وكل شعور وطني انفصالي كان ام لا لصالحها , وأن السياسة شيء , والعسكر وميدان القتال شيء آخر , والشعب آخر المعنيين رغم انهم قد يكونوا متعاطفين مع طرف أو آخر , هذا الفلم يمكن ان يختصر المعنى السياسي في السينما وأن الغرف المغلقة والأقبية وكهوف الجبال وقاعات المحاكم هي الامكنة التي تقرر فيها المصائر .
 
بدأ فرانشيسكو روسي فلمه من المكان الذي يعطي شخصيته الرئيسية البطولة , الشخصية التي لم تظهر طيلة احداث الفلم سوى ممددة على الارض ومضرجة بدمائها , في الافتتاحية , سلفادوري جاليانو ميت , هل هو ثائر , ام قاطع طريق , هل هو روبن هود , هل هو مجرم  ، ومن طلب رأسه , الدرك الايطالي في صيقيلية بعد الانفصال , ام قطاع الطرق , ومن موت هذا الرجل الغامض , عاد روسي لبداية تضخم الشعور بالانفصال في صيقيلية منتصف الاربعينات , وكان مسرح الفلم هو مدينة صيقيلية , حيث تجنب روسي الدخول لمكاتب اتخاذ القرار السياسي , وصور آثار التطورات العسكرية على أهالي القرى في صيقيلية , كيف عاشوا هذا النزاع , ومن استفاد منه بعد الانفصال ومن خسر , حيث كان شديد التحكم في تصوير هذا الجزء الذي ذهب بكاميرته لذات الامكنة التي حدثت فيها النزاعات , وصورها وكأنه يعيد خلقها في فلم شبه وثائقي حيث يمكن بسهولة الشعور بعظمة قدرته على خلق هذه الواقعية من جديد , قبل ان ينتقل لفترة ما بعد الانفصال حيث عاد ثوار صيقيلية الانفصاليين لكهوفهم كقطاع طرق حينما تخلت عنهم السياسة , فما كان من قادتهم إلا ان انخرطوا بها كحل وحيد للحصول على مكاسب ما بعد الانفصال , ليعودا للتحالف مع من حاربوهم للمرة الاولى , حيث بدت السياسة لا تعترف بالمنطق , ولا بالمشاعر ولا بمبادئ , اراد فرانشيسكو روسي ان يصل لنتيجة ان حملة البنادق ليسو سوى بيادق وكومبارس لا قيمة لهم في حقل السياسة ، ليس ثمة اسهل من اقصائهم , وليس ثمة اسهل من تجييشهم .

انتاج الفلم الضخم ساعد في قص الرواية بأفضل طريقة , وكاميرا روسي التي كانت تخترق كل الامكنة , من الاقبية المظلمة لساحات الحروب ومناطق حظر التجول وساعات المداهمات الشديدة الواقعية , اضافة لقاعات المحكمة التي لا تناقش شيئاً له صلة بحقيقة ما جرى على الارض , روسي مرة اخرى يناقش معضلة ما جرى وما قيل والفارق بينهما , وكيف ساعدت السياسة في تكوين المناخين , المناخ السياسي في ساحة الحرب , والمناخ السياسي المغاير في الاماكن المظلمة والاماكن التي تُنتزع منها النتائج ، التي من المعروف سلفاً لصالح من ستصب , ويبدو ان لا شيء تغير , سواءً بعد الانفصال او قبله .

هذا الفلم هو انجاز سينمائي كبير للمخرج فرانشيسكو روسي , لم يستعمل اي اساليب مباشرة لخطاب مشاهديه او لإجبارهم على الاصطفاف مع احد الاطراف , التي يبدو انه يلومها جميعاً على انقساماتها وعلى صراعاتها , واختياره لمواقع تصوير تعطي اصدق صورة عما جرى في أربعينيات صيقيلية , اضافة لاستخدامه المونتاج بطريقة عززت قيمة هذا الفلم , وساهمت في استيعاب مدى تعقيد الاحداث وسرعة حدوثها وتأثيراتها كما انه اعطى احداث فلمه اثارة كبيرة وقدرة على جذب المٌشاهد بسهولة رغم عدم استعماله اي موسيقا تصويرية , قدمها بالشكل الذي يحول السياسة للغز او للعبة بازل , هذه الجزئية من الفلم ظهر فيه تأثره بنمط جان بيير ميليفيل في خلق الاثارة وتحكمه في رفع و خفض وتيرتها , , ليس من المستغرب ان يكون هذا الفلم واحد من الافلام العشرة المفضلة لدى مخرج عظيم كمارتن سكورسيزي .