الأربعاء، 9 يوليو، 2014

Late Spring

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 5/5

بطولة : سيتسوكو هارا ، شيشو ريو
إخراج : ياسوجيرو أوزو (1949)

حصيرة من الخيش .

"في هذا العالم يحب الناس تعقيد الأمور ، الأشياء فعلاً قد تبدو معقدة، لكن من يدري ! جوهر الحياة – على غير المتوقع – قد يكون غاية في البساطة !" - أوزو

مؤشران هامان أعتقد بوجودهما لتمييز المخرج العظيم ، الأول قدرته على إخراس الصوت اللعين الذي يراهن أن الفيلم لن يستمر بنفس القدر من الجمال الذي بدأ به ، الثاني هو كم الأصالة في أعماله حيث تميز فيلمه من مشهد واحد ، لكن تعرُّف فيلم لأوزو مسألة تحتاج ربما إلى صورة واحدة فقط .

أوزو ثائر راديكالي شديد الهدوء ، لا يطور أو يُحدِّث بل يبتكر سينما بديلة كلياً ، أوزو يصور – دائماً – بالعدسة الخمسين ملم ، يكسر – دائماً – قداسة قاعدة المائة وثمانين درجة ، يتحدث – دائماً – عن العلاقات بين الأجيال عن طريق ممثلين ينظرون مباشرة إلى الكاميرا ، يُخرج الصامت والناطق والملون ، لديه كاميرا شديدة الثبات ، يبدأ وينهي أفلامه – دائماً – بحصيرة بسيطة من الخيش .

أستاذ جامعي أرمل يريد تزويج بنته نوريكو التي ترفض الزواج لرغبتها في البقاء مع أبيها كي لا يكون وحيداً ، لكنها تستجيب لضغوط الأب والعمة وتوافق في النهاية .

كلمات قليلة يمكنها تلخيص قصة الفيلم ولا توجد كلمات كافية لوصف كم الجمال والعظمة ، والأهم وصف الحزن ، القصة البسيطة تقول الكثير عن الإنسان كما تقول قصة اليابان بعد الحرب ، هل تحتفظ بالتقاليد أم تتجه ناحية الغرب ، زوج نوريكو لا نراه قط ، لكن نعرف من وصف العمة أنه يشبه الممثل الأمريكي جاري كوبر من جهة الفم فقط ، أوزو يختار مستقبل نوريكو ومستقبل اليابان التي على أعتاب ترك ماضيها مثلما تترك نوريكو أباها ، وتنطلق ناحية الحضارة الغربية من جهة الفم فقط ، أو هكذا يأمل أوزو.

العلاقات بين الأجيال يمكن اعتبارها امتداد للتشتت الحضاري الحاصل في اليابان بين التقليدية والحداثة ، بين العادات القديمة وملامح الهيمنة الأمريكية ، أوزو هو واحد من الأوائل – ربما الأول – في استخدام رموز تلك الهيمنة كلافتة كوكاكولا التي تظهر في أحد المشاهد .

شخصية الأب متفهِّمة هادئة ، يستعيض عن الكلام بالإيماء ، شخصية نوريكو رقيقة مُحِبَّة ، دائمة الابتسام حتى عند الغضب والحزن ، لكنها لن تمكث كذلك عند الفقد ، ربما الشخصيات – والفيلم كذلك – لا يصلحان لزمننا ، لكن الأكيد أن الخلل ليس في الفيلم ، فكل فيلم لأوزو – كما يقول الناقد مايكل أتكنسون – هو درس خام متكامل لمدى الجودة التي يمكن أن تصل إليها السينما .
سيتسوكو هارا الممثلة العظيمة ذات الابتسامة الساحرة التي قامت بدور نوريكو في أفلامه (من ضمنها مفضلي و مفضل أوزو نفسه : أواخر الربيع) لم تتزوج قط هي الأخرى حتى اسماها اليابانيون "العذراء الأبدية" ، بعد وفاة أوزو اعتزلت التمثيل ورفضت إجراء أي مقابلة صحفية ، احتجبت في كاماكورا حيث صوروا فيها الأفلام سوياً وحيث يرقد أوزو.

يقول المُذهِل شيشو ريو الذي لعب دور الأب وممثل أوزو المفضل : "أوزو – السيد – امتلك قوة شخصية لا تُضاهى ، ترك بصمته في كل شيء حوله ، كل شيء أصبح امتداد له ، ففي الاستوديو – مثلاً – لم يكن مهتم فقط بالديكور عامةً لكن بكل تفصيلة ، كل وسادة صغيرة وضعها بيده ، كل شيء متناهي الصغر يضعه حيثما يرى ، لا شيء متروك للصدفة ، حتى إنه كان يُهندِم ملابس الممثلين قبل اللقطات ، لا شيء خطأ في هذا طالما المرء متأكد حقاً مما يريده".

أوزو – الأصلي الأصيل – لا يأتي بالداخل ليعرضه للخارج ، لكن يأتي بالخارج كي يرى الداخل ، فابتدع وضع للكاميرا سيُعرف بالـ  Tatami Shot، وهي زاوية منخفضة موزاية "نظرياً" لمستوى نظر الجالس على حصيرة التاتامي ، مهملاً التصوير من مستوى فوق الكتف ليضع المشاهد داخل الحجرة جالساً على حصيرة التاتامي يتابع ويراقب ، يأكل الأرز ويشرب الساكي ويرى دخان المصانع ويسمع أصوات القطارات .

البعض يفسر الزاوية المنخفضة بأن أوزو يريد عرض شخصياته – العادية – حيث يعطيهم أهمية وعظمة وإن كانوا فقراء أو مهمشين ، بينما تفسير المخرج ماساهيرو شينودا – الذي عمل مساعداً لأوزو – بأن السبب هو منع الكاميرا من اتخاذ وجهة نظر إنسانية ! ، مفسراً قوله بأن أوزو يرفض الخضوع لأن تكون السينما مجرد امتداد للرواية .

"سينما أوزو سينما طيبة ، فهو يقدر العلاقات الطبيعية المتفاعلة ، لقطاته الطويلة أبدية وتتسم بالاحترام ، العلاقات بين الناس يصورها في لقطات طويلة وهذا هو نوع التقدير الذي اكنَّه أوزو لجمهوره" - عباس كيارستمي (والذي كرَّس لأوزو فيلمه التأملي "خمسة").

حصيرة من الخيش.