الأحد، 27 يوليو، 2014

I Killed My Mother

كتب : أحمد أبو السعود

التقييم : 4.5/5

بطولة : آن دورفال ، كزافييه دولان
إخراج : كزافييه دولان (2009)

ليس هناك في العالم قواعد و قوانين لتفضيل فيلم على الآخر ، لا أتذكر من التسع سنوات الماضية سوى أن علاقتي بالسينما بدأت تأخد اتجاهاً أكثر جدية ؛ قراءة المجلات السينمائية ، محاولة رؤية الأفلام بطريقة مختلفة و أكثر خصوصية و الأهم محاولة خلق هامش أو خيط خاص بي يربطني بها ؛ محاولة ترجمة أفكاري إلى قصاصات ورق ، محاولة التعبير عن الذات و إخراج ماهو مكبوت فيها من رغبات و طموحات و أحلام ، على قصاصات ورق ، أتذكر الآن أن تلك المحاولات - بتأثير السن و طفولة التجربة نفسها - لم يتبق منها غير صدق ما كان فيها بدون أى حسابات أخرى ، توصلت الآن إلى نتيجة منطقية إلى حد كبير و هى أن التعبير عن الذات و محاولة كشفها لا يتطلب شجاعة قدر ما يتطلب تهور و اندفاع غير محسوب ، لا يتطلب فهم تلك الذات قدر ما يتطلب مجاراة ما تأمل له و تسعى إليه لا إرادياً ، و الآن أسأل نفسى : ماذا لو توفر لدى ذاك التهور و الاندفاع من خمس سنوات مثلاً ؟ ، الإجابة اكتشفتها بعد مشاهدة هذا الفيلم .

كزافييه دولان يصنع فيلمه و هو على أعتاب عامه العشرين ، يصنعه بتلك الروح ؛ روح التهور و الاندفاع ، روح التجريد و عدم الخجل أو المواربة ، لا يتصنع و لا يفتعل ، تبدو التجربة صادقة و حقيقية و بها قدر عالى جداً من الطموح ، تلك الروح طافحة في كل جنبات الفيلم بطريقة مكنته في النهاية من خلق إطار بصرى و نفسى خاص و متميز ، يمارس كزافييه ألاعيب إخراجية كثيرة قد تبدو - مع الوضع في الاعتبار صغر سنه و حداثة تجربته - مراهقة إخراجية لا أكثر و لا أقل ؛ تقسيمه للكادرات ، الإضاءة ، الصوت العالي ، التحدث إلى الكاميرا ، حوارات مباشرة عن علاقته بأمه أو علاقته بالدين ، الإيقاع و متى يهدأ به و متى يُسرع رتمه ، النظرة الخارجية لذلك الأسلوب ستؤدى في النهاية إلى استنتاج سطحي بافتعال التجربة بأكملها ، لكن كزافييه يُطبع على ذلك الأسلوب روحاً جميلة ؛ روح الاندفاع ، يفيض علينا بمكنونات شخصيته في كل كادرات الفيلم ، صراخها نابع من الأعماق ، رغباتها تتصارع مع محيط قاسى لا يفهم ، أخطاءها و عيوبها لا تتعدى كونها صدى غير مقصود لمحاولة التعبير عن نفسها و محاولة خلق هامش تتواجد خلاله بحرية و انطلاق .

يأخذ
كزافييه موقفاً إيجابياً و ليس حيادياً تجاه شخصيات فيلمه ، لا يسمح لك باتخاذ موقف أخلاقي أو سلبي تجاههم ، عندما اتصل مدير المدرسة الداخلية بـ(شانتال) يخبرها بهروب ابنها و يلمح بطريق غير مباشر بتقصيرها في تربيته ، تثور شانتال عليه و كأن تلك الثورة موجهه للمُشاهد الذى قد يسمح لنفسه باتخاذ نفس موقف المدير ، يقول كزافييه في أحد الحوارات أن الفيلم هو سيرة شبه ذاتية لحياته مع العلم أنه كتب السيناريو و هو في عمر السادسة عشر ؛ العمر الذى يستحيل معه فصل الذات و حيرتها و تساؤلاتها عن التجربة العملية خصوصاً لو كان انعكاس تلك التجربة هو السينما ، يحاول (أوبير .. بطل الفيلم) طوال الوقت تفسير أو فهم تلك العلاقة التي تربطه بوالدته ، هو لا يفهم سبب حبه لها و لا يفهم سبب ارتباطه بها ، هو فقط يحاول إعطاء تلك الرابطة شكلاً أو مصطلحاً ، أوبير هو بشكل أو بآخر كزافييه و هو في السادسة عشر ، طارحاً نفس التساؤلات ، مهموماً بنفس المشاكل ، تائه يحاول أن يجد طريقه و يقنع نفسه بذلك كأن مثلاً يلجأ إلى فكرة الاستقلالية عن والدته و يقنع نفسه بها ، كزافييه في الفيلم ينجح - أو هكذا بدا - في إيجاد أجوبة ، أو إيجاد صيغة واضحة لتصوير و تجسيد إنعكاسات و انفعالات و مشاعر وطموحات ذاته ، و ذلك كان جلياً في عدم إتخاذه موقفاً سلبياً أو حتى حيادياً من شخصياته ، حتى شخصية والده التى ظهرت في مشهد واحد فقط في الفيلم ، و ظهرت لتتخذ قراراً بدا - أو هو هكذا - ظالماً و الأهم - كما جاء على لسان أوبير - ليس من حقها اتخاذ مثل ذلك القرار ، لكن كزافييه يحاول تفسير تلك التصرفات بطريقة تُعطى للشخصيات ذلك الهامش الذى يعطيهم الحق في حياة يريدونها كما يتصورون ، فشخصية الوالد لم تُخلق لتكون أباً - هكذا جاء على لسان (أوبير / كزافييه) في الفيلم - ، يتوصل إذن كزافييه - و هو ابن العشرين في ذلك الوقت - إلى صيغة تمزج حيرة و تساؤلات فترة السادسة عشر مع فهم و القدرة على تجسيد ذلك الفهم في فترة العشرين ، هذه الصيغة كما أجاد طرح أفكاره بها ، أجاد أيضاً خلق أسلوب سينمائي متميز بها ؛ استيعاب لأهمية الإيقاع و كيف يتحكم به صعوداً أو هبوطاً لتجسيد ما يعتمل داخل شخصيته و بالتالي توريط المُشاهد مع الشخصية ؛ إمساك لجام نفسه و اندفاعه و منح الموسيقى في أوقات ظهورها الفرصة للاختزال و التكثيف بدلاً من الرغى و الصوت العالي ؛ قدرته على توجيه الممثلين بما فيهم نفسه و الخروج منهم بأداء صادق و غير متكلف ؛ توظيفه للإضاءة و زوايا التصوير و حركة الكاميرا لتكوين أُطر بصرية تحتوى كم المشاعر و الانفعالات التي يحاول شاب في العشرين من عمره أن يجسدها سينمائياً .

لا توجد قواعد في العالم لتفضيل فيلم على آخر ، لا توجد ثوابت ، صفقنا جميعاً لستيفن سودربيرج عندما نال سعفة كان و هو مازال في السادسة و العشرين ، نحن هنا أمام موهبة عملاقة في العشرين من عمرها استطاعت تقديم تجربة ذاتية بكل ما يمكن أن تقدمه السينما من صدق و جمال ، فما هي الاحتمالات إذاً ؟!