الخميس، 17 يوليو، 2014

Becket

كتب : فراس محمد

التقييم : 5/5

بطولة : ريتشارد بيرتن ، بيتر أوتول
إخراج : بيتر غلينفيل (1964)

بهذه الطريقة تخترق السينما كل الحواجز , حاجز التاريخ وحاجز السياسة وحاجز قدسية مؤسسة الدين وحاجز المسرح دفعة واحدة ، بيكيت شخصية تظهر في كل المنعطفات التاريخية , في فترات السلام القلق , بيكيت هو ميفيستو المخرج الهنغاري استيبان زابو , ولكن ليس كل ميفيستو بيكيت , بيكيت شخصية أكثر نبلاً , يبحث عن هدف اسمى من مصلحته الشخصية , هو يمثل فئة مهمشة من الناس ، يمثل البحث عن الشرف المسلوب منهم ، هو شخصية تعلمت الاذعان ونكران الذات والسباحة عكس كل جذورها كي تصل لليوم الذي يستعيد فيها شرفها ، رغم القواسم المشتركة الكثيرة بين شخصيتي ميفيستو و بيكيت , إلا ان التاريخ لا يعيد نفسه مرتين , بيكيت شخصية تاريخية تستعيد شرفها بعد ان سلب منها , ميفيستو لا ترغب سوى بالمحافظة على مصالحها , بيكيت كان يبحث عن الولاء الذي يدافع من خلاله عن شرفه بعد ان حصل عليه , ميفيستو كان يبحث عن اي ولاء ليحافظ من خلاله على مصالحه , الزمن وتغيير المفاهيم , كانت كفيلة بين عصرين بأن تحول الشرف لمصلحة شخصية , وتحويل الولاء لوسيلة لذلك ، تحول بيكيت لميفيستو .

الساكسونيين في عهد ويليام الفاتح تعرضوا للتهميش فأصبحوا انكليز فئة ثانية واستمر الحال على ما هو في عهد الملك هنري الثاني , ولكن صداقته ببيكيت الساكسوني وثقته به كان العامل الذي غير موازين القوى بالنسبة للساكسون ، من اعتبارهم صفر على الشمال ، لكي يكونوا رقم في المعادلة الشعبية لملك انكلترا في صراعه على التفرد في السلطة مع الكنيسة ، الفلم قدم نوعية العلاقات التي تحتاج للكثير من التمهيد والتأسيس لأنها ستتحكم بكل مفصل من مفاصل الفلم المحكم الحبكة , علاقة الملك هنري ببيكيت لم تكن مجرد علاقة بين ملك نورماندي ومستشار ساكسوني , كانت علاقة صداقة من نوعية خاصة , علاقة اليد بالكف , علاقة العقل بالعضلات , وفي الوقت الذي كان يبحث فيه بيكيت عن شرف مفقود من خلال ولاءه للملك ، كان الملك قد اشعل النار بينه وبين الرجل الجريح , فمنحه امتيازا غيّر بموجبه ولاءه , من ولاءه للملك لولاءه للكنيسة وللرب , وهذا التصرف الناتج عن عدم قدرة الملك على استيعاب ما الذي من الممكن للساكسوني ان يفعله ليستعيد شرفه , وناتج ايضاً عن رعونته وطيشه الذي لم يبخل الفلم في ابرازه ،  تصرف معه كخادم بينما هو كان يبحث عن شيء أكثر خطورة من خدمه الملك بالنسبة لرجل ساكسوني ، وتحولت حينها العلاقة لحرب بين ولائين , ولاء بيكيت للملك , وولاءه للرب , العلاقة التي اخذت شكل الحرب لم تنفي عنها صفة الصداقة التي اخذت بعداً أكبر وأكثر تعقيداً , الانتقام بدا وكأنه رغبة في استعادة الصداقة , والموت بدا كأنه رغبة في استعادة الملك لولاء بيكيت , كلما تقدم بيكيت خطوة لتحقيق طموحه , ازداد تعلق هنري به ورغبة في ابعاده كحجر عثرة , واستعادته تحت جناحه ، استعادة ولاءه وصداقته .

الطموح وسلب الارادة بالنسبة لرجل كبيكيت اشبه بوضع النار والزيت أمام بعضهما , الملك هنري عجز عن فهم هذه المعادلة , التي لم تكن حتى بالنسبة لبيكيت واردة لولا خطأ هنري الكارثي بتغيير ولاءه تحت حجة السيطرة على الكنيسة التي لطالما عارضته سياسياً , الفلم يقدم المدى الذي من الممكن أن يتورط فيه الدين بالسياسة , إلى أي مدى يصبح رجل الدين رجل سياسة , ومتى تتنافر الاخلاق مع الدين و تجتمع مع السياسة والسلطة , كل هذه المعادلات المعقدة كادت ان تجعل من هنري رجلاً عاجزاً معرضاً للوقوع بالأخطاء تحت رغبته في الانتقام من بيكيت , وكادت أن تجعل بيكيت خائناً لأنكلترا وللرب , ولكن السياسة قادرة وبنفس موازين القوى ان تجعل بيكيت شهيدا ومن هنري المستفيد الاول من تحويل اسمه لقديس ديني  .

بيكيت يبدو انه شعلة النور الوحيدة ضمن هذه الظلمة , فوجوده وراء غطاء الدين منعه من التخلي عن ولاءه للرب ، مهما كانت المصلحة السياسية , الدين بالنسبة لبيكيت لا يجب ان يدخل متاهات السياسة حتى ولو كانت كذلك على اعلى المستويات ، طموح بيكيت لم يتخطى رغباته في التحرر من ارث الماضي الثقيل , ولو تم ذلك دون التعرض بالأذى او الخيانة لصديقه الملك هنري لربما كان ذلك افضل ما يمكن ان يطلبه ، ولكن سذاجة الملك هنري وضعت بيكيت ضمن خيارين ، الملك , أم الله .

بيتر اوتول وريتشارد بورتون كانا يلعبان في ملعبهما , تستطيع ان تشعر أنهما خلقا ليقدما هذه النوعية من الافلام السينمائية المقتبسة بالأصل من المسرح , هنا تظهر البطانة الانكليزية للسينما والمسرح , الفخامة والطبيعة التاريخية للأنكليز , مدى التعقيد الذي تتحلى به شخصيات كهنري وكبيكيت باعتبارهما جزء من تاريخ مليء بالتناقض والغزوات والصراع الديني السياسي الداخلي ، شخصيات لا تسعى لأن تكون بيادق على لوح الشطرنج بقدر رغبتها بان تكون اليد المحركة لمسرح العرائس الدموي هذا .