الجمعة، 11 يوليو، 2014

Alice Doesn't Live Here Anymore

كتب : أحمد أبو السعود

التقييم : 4.5/5

بطولة : إلين بيرستين ، كريس كريستوفرسن
إخراج : مارتن سكورسيزي (1974)

عندما كان
لالين بيرستين حرية اختيار مخرج فيلمها الجديد رشح لها كوبولا سكورسيزى و نصحها أن تشاهد
Mean Streats لكى تعرف حجم موهبته ، شاهدت الفيلم ، أعجبت به ، لكنها ظلت مترددة خوفاً من أنه لا يستطيع أن يخرج أفلاماً تدور عن النساء ، فسألته عما يعرفه عن النساء فرد "لا شيء ، لكنى أرغب في التعلم !" ، و هكذا كان لسكورسيزى الفيلم .

لا يبدو أن سكورسيزي تخلى عن أسلوبه أبداً ؛ حيث الإيقاع السريع و الشد النفسي الذى تقع تحته الشخصيات ، لا يهم إذا كان الفيلم يدور حول المسيح أو سائق نيويوركي يعيش عزلة نفسية قاتمة أو إمرأة تبحث دائماً عن فرصة ثانية تصلح بها حياتها ، "أليس" حلمت طوال حياتها أن تصبح مغنية ، تتزوج و تغادر موطنها مع زوجها لأنه أراد ذلك و ترى فيه التصور الذى طالما تخيلته عن الرجال و هي صغيرة : متحكمين و أقوياء ، تنجب منه و لكن لا تسير الحياة كما كانت تأمل ، تتخلى عن حلم الغناء بناءً على رغبة زوجها الذى يسيء معاملتها هي و ابنهما بعد ذلك و في حادثة سير مفاجئة يموت الزوج تاركها بلا شيء تقريباً فيكون الاختيار الإجباري أمامها هو العودة إلى موطنها ثانية .

تجبر الظروف
أليس دائما على الهروب و الانطلاق بعيداً بحثاً عما هو أفضل و حين تحقق حلمها أخيراً بالغناء في أحد البارات تكون الظروف أقوى مما تريده فتنطلق ثانية و هذه المرة تفعل ما يسد احتياجاتها هي و ابنها المراهق لا ما تريده و تحلم به ، يرسم السيناريو الرحلة التي تقوم بها أليس بإحساس عالي بالشخصية نفسها و مع ما يحيطها من أشخاص و ظروف ، و كلما تقسو عليها الظروف يمنحها السيناريو لحظات تقوى من روحها ، لحظات حب أو صداقة ، لحظات ثقة بالنفس أو أمومة ، تنطلق الرحلة فى منحنيات صاعدة هابطة داخل مشاعر أليس و مع ما يعتمل في نفسها و صراعها ما بين احتياجها للحب و مسئوليتها تجاه ابنها و محاولتها تحقيق حلمها بالغناء ، و من تلك المنحنيات تنبعث كوميديا فى منتهى الصدق و الحميمية ، هذه نقطة أقدرها كثيراً في السيناريو ، الكوميديا فى الفيلم ليست مفتعلة و لا دخيلة على جو الفيلم ، بل هى تضرب على كل الأوتار ؛ حب و حزن و انهيار ، في المشهد الذى انهارت فيه بالبكاء في المطعم الذى تعمل به فتأخذها صديقتها كي تخفف عنها ، تمتزج هنا الكوميديا بكل ما يدور في نفس أليس ، تسمح لمشاعرها بالكامل بالانطلاق ، فتبدو القسوة التي فرضتها الظروف عليها هنا أخف و أكثر هدوءاً فهناك من يواسيها و هناك من ينتظرها و هناك ما تريده و ليس عليها إلا أن تتمسك به و تمنحه فرصة أخرى .

كيف سيطوع
سكورسيزى نفسه إذاً في فيلم درامي رومانسي هاديء ؟ ، يسير سكورسيزى طيلة الفيلم بمبدأ الجاهل بأمور النساء الذى يريد أن يعرف كل شيء عنهم ، صحيح هو بارع في تصوير حالة الضغط و الشد العصبي الذى يُسيّر حياة أليس لكنه يتماهى تماماً مع مشاعرها و ردود أفعالها ، يهدأ عندما تهدأ هي ، و يرسم حالة شجن جميلة مع كل مرة تبكى فيها ، ينفعل بكاميرته و شريط صوته عندما تقلق هي كالمجنونة على ابنها ، يُمسك لجام نفسه قليلاً في هذا الفيلم لينطلق بعده مباشرة ليقدم تحفته الشهيرة Taxi Driver ، أكثر أفلامه كابوسية و قتامة على الإطلاق .

الين بيرستين بشفافية ملامحها و اهتزاز نبرة صوتها و براءة وجهها تمتص كل ما هو مكتوب في السيناريو و تتماهى مع سكورسيزي فتقف في المنتصف كحلقة وصل واضحة و رائعة بين كل ما هو رقيق في السيناريو و بين سكورسيزي بإيقاعه السريع و ميله دوماً إلى الجوانب المظلمة في شخصيات أفلامه ، مثال جميل على التوليفة التي يشارك في صنعها سيناريست و مخرج و ممثلة لكل منهم بصمة واضحة في خروج العمل بمثل هذا الجمال و بانسجام و تفاهم رائع بينهم .