السبت، 21 يونيو، 2014

Written on the Wind

كتب : فراس محمد

التقييم : 4/5

بطولة : روك هدسن ، لورين باكال ، روبرت ستاك
إخراج : دوغلاس سيرك (1956)

لجوء سيرك في افتتاحيته لأن يضع علامة استفهام كبيرة ، جعل أفضل ما في الفلم اسلوبه في الاجابة عنها ، واسلوبه في تقديم شخصياته واحدة تلو الاخرى ريثما ينسج شبكة العلاقات التي ربطتهم ، ومن ثم يصل البداية بالنهاية ليقدم هذه الحبكة وبهذه الطريقة المقنعة والمشبعة ، كل الدلالات التي وفرها كانت تودي لهدف منع المُشاهد من التوقف للتفكير في منطقية ما يجري بل تجاوز هذا الامر نحو تفهم واستيعاب ما يجري ومعايشة أوجه التناقض والاختلاف والتشابه بين اربعة شخصيات تتقاسم المحور الاساسي الذي يظهر في أغلب خلفيات الفلم على شكل حقول نفط ومضخات نفط واراضي صحراوية تحوي تحتها اطنان من ذات الكنز الاسود الذي ترك تأثيراته على شخصية جيمس دين في تحفة جورج ستيفنز Giant ، والتي انتهى بها الفلم بمشهد معبر جدا عن ما ستورثه هذه الثروة الطارئة في حياة العائلة التي خضعت لكاميرا سيرك ، وأنه حينما تمتلئ بعض الفراغات ستظهر بالمقابل فراغات آخرى بديلة ، الجانب المادي والجانب الانساني معادلة رياضية , ما ينقص في احدهما يزداد في الآخر.

كايل وميتش ، صراع انساني ووجودي بين شخصيتين على النقيض ، سيرك لم يقدمهما فقط بهذا الشكل , كوجهين للتغييرات التي آلت إليها فترة استثمار النفط في الصحاري الاميركية بل أن لدى أحدهما ما يفتقده الآخر ، هما معنيين مختلفيين لفكرة ان يكمل أحدهما الآخر ، أو ، أن يتنافر ، كايل شخصية متسرعة ، وما تملكه سمح لها بأن تنفذ كل شيء بالسرعة التي ترغبها ، كما اخته من ذات العائلة الثرية ، كلاهما يعوض عما ينقصه وعما يتصف به ميتش (روك هادسون) بتصرفات قد تبدو للوهلة الأولى غريبة , ولكنها مع تصاعد وتيرة احداث الفلم واكتشاف هاتين الشخصيتين تبدو منطقية ، جنون ميريلي (اخت كايل)، كأدمان كايل على الكحول ، الطريقة الهيستيرية التي ترقص بها ميريلي تشبه تسرع كايل باتخاذ قرار السفر لأبعد مكان في اميريكا لشراء وجبة من الطعام او زواجه من أول فتاة مختلفة عن الاخريات، وهكذا بالاصل مهد سيرك لشخصية كايل ، وكلاهما (الاخ والاخت) متشابهان في الشعور بعقدة النقص التي لم تستطع كل مضخات النفط التي امتلأ بها الفلم أن تمنحهمها اياها ، ميريلي لن تستطع الزواج من الشخص الوحيد الذي تريد الزواج به , وكايل لم يستطع انجاب الطفل الذي اراده ، وهذا ما جعل شخصية ميتش في الفلم الشخصية المركزية التي يجري التنافس حولها ، وعبرها اعطى الفلم ابعاده لفكرة (المال قد لا يجلب السعادة) ، وخصوصا إن كانت ثروة طارئة خلقت هذا الفارق الطبقي في قرية صغيرة.

دوغلاس سيرك و بأسلوبه البصري والتشكيلي المتميز والمتحكم بأدنى تفصيل ضوئي او لوني في كوادره الغنية بهذه التفاصيل كان كالعادة يلمح دون ان يشرح ، يملي على المُشاهد كيفية تعاطيه مع شخصياته المتناقضة دون ان يفعل ذلك بحدة ، يترك لمناخ المشهد وطبيعته اللونية ان تبوح بمكوناته الدرامية وافكاره ، واستطاع ان يزيد درجة السخونة لأقصى دراجاتها بامتناعه برايي عن تقديم مشهد البداية وكأنه مشهد لجريمة يجب ان تُحل ، ولم يعالج هذه الافتتاحية وكأن فلمه يحاول كشف السر الذي بدأ فيه ، بل بذكاء ورغبة بعدم تحويل فلمه لما لا يجب ان يكون عليه ، اعطى انطباع بأن ما نشاهده عملية انتحار ، ومن بعدها اعطى زمام المبادرة لشخصيته التي على النقيض (ميتش) لتشرح بنفسها طبيعة شخصية كايل ، هذه الجزئية من الفلم جعلت (مطب) شخصية كايل ، يتم تجاوزه بهدوء ، لأن تقديمها أتى من نقيضها ، فما نراه , هو ما يراه ميتش ، الذي ملأ الفراغ الذي كان سبب التحولات السريعة في شخصية نقيضه ، الشخصية التي لم يؤثر بها النفط الاسود بعد ، الذي وصف في افتتاحية الفلم بالرجل الفقير.