الجمعة، 20 يونيو، 2014

Casino

كتب : عماد العذري

التقييم : 3.5/5

بطولة : روبرت دي نيرو , جو باشي , شارون ستون
إخراج : مارتن سكورسيزي (1995)

عن نص للكاتب نيكولاس بيليغي يعيد مارتن سكورسيزي اللقاء مع رفيق دربه روبرت دي نيرو في العمل السينمائي التاسع عشر في مسيرة المخرج الكبير , و في وجود جو باشي أيضاً يكتمل المربع الذي صنع سحر Goodfellas عام 1990 , لذلك لا مفر للمشاهد من مقارنة هذا العمل مع ذاك .

على مدار أكثر من ساعتين و نصف يراقب سكورسيزي شخصياته الثلاث : إيس روثيستين أسطورة المقامرة الذي يدير الآن واحداً من أشهر كازينوهات فيغاس , نيكي سانتورو صديقه القديم ذو السجل الإجرامي و العلاقات المشبوهة مع عصابات المافيا , و جينجر ماكينا المومس التي تصبح لاحقاً الزوجة البائسة لروثيستين بسبب علاقتها مع قوادها السابق و إدمانها على المخدرات .

يستعرض سكورسيزي من خلال النصف الأول لعمله الفرق الأهم بين روثيستين و سانتورو : الأول يحاول أن يسلك الطريق القويم في إدارة مستعمرته الصغيرة , يحاول أن يحدد بوضوح قوانينها , و يتابع بحماس و جدية الإلتزام بهذه القوانين , روثيستين صارم في تعامله مع كل من يجرؤ على هز النظام في مملكته , يضرب بقسوة على المقامرين الذين يمارسون الغش , و يرفض كل أنواع الواسطات لتوظيف من ليس مؤهلاً ليرتقي بمستوى العمل في الكازينو , على خلافه يكون سانتورو , مجرم من العيار الثقيل ذو علاقات وثيقة بعصابات المافيا في بلدته و كذلك في فيغاس , يحاول أن يمارس أعماله الإجرامية في إطار الكازينو مستغلاً إيعازاً من مالكي الكازينو لحماية مديره الجديد روثيستين , سكورسيزي يبدأ الفيلم بصداقة قوية تجمع الرجلين الذين نشأ كلاهما في المدينة ذاتها و تشاركا في الكثير من الأمور , ثم يقودهما تدريجياً نحو الإختلاف و تقاطع الأفكار و تناقض المصالح , و عندما يخون نيكي روثيستين مع زوجته , يفقد زعماء الكازينو ثقتهم بأفعال نيكي خصوصاً مع تضييق رجال الإف بي آي الخناق في مراقبتهم لأعمال الكازينو و المحيطين به , لكن بالمقابل فإن الشيء الأهم الذي يوحد شخصيتي روثيستين و سانتورو هي الإخلاص تجاه ما يفعلانه , ولاءهما لقناعاتهما و عمل المستحيل من أجل عدم التخلي عنها , وهذا ربما ما يمنح الفيلم تماسكه رغم ثغراته , هذه الجزئية تبقي المشاهد مهتماً بما يحدث و هو يتأمل الإنقسام الذي بدأ يكبر بين شرعية إيس و طرق نيكي الملتوية .

في النصف الأول من العمل يستخدم سكورسيزي بكثافة المفاتيح ذاتها التي إستخدمها في رفقته الطيبين , مركزاً على أسلوب الراوي و اللقطات الطويلة ضمن الكازينو و منح الصورة نوعاً من المذاق التوثيقي , وهو أمر بالتالي يدفع المشاهد لا إرادياً في منحىً آخر , حيث تُرسَم لدى المشاهد صورة مبكرة جداً عن إجرامية شخصية روثيستين مع أن النص في الواقع لا يقدمها كذلك , و المشكلة تتفاقم عندما لا يستطيع المشاهد أن يرفض هذه الفكرة من مخيلته طوال هذا الجزء , ثم يبدأ وضوح الصورة لدى المشاهد مع تكرار المشادات التي تحدث بين روثيستين و جنجر , هذه الصورة الهلامية تتكرر مع جنجر ذاتها , الكثير من مفاصل السيناريو تحاول ترسيخ وجودها كضحية لما يحدث , رغم أن كل ما نشاهده يبدو معاكساً لهذه الصورة , فالمرأة تبدأ أخطاءها منذ ليلة زفافها عندما تجري مكالمة هاتفية مع قوادها , ثم يتكرر ذلك مع إدمانها على المخدرات و إهمالها لإبنتها ثم لجوءها لنيكي , لكن المشكلة لا تكمن فقط في هلامية التقديم بل تتعداها إلى محاولةٍ غير مجديةٍ تماماً لإبقاء جنجر كأحد محاور الفيلم , شخصية جنجر تفقد أهميتها في منتصف هذه الصراعات , و تعاني في كثير من تطوراتها من إفتعالية واضحة خصوصاً في إنقلابها على زوجها , و إستمرار علاقتها بروثيستين بعد طلاقها منه , ثم العلاقة غير المطهية بشكل جيدٍ بين جنجر و سانتورو , هذا الضياع حاول أداء شارون ستون الصلب تعويضه و ملء الفراغ الحادث , لكن هذه الشخصية كانت تحتاج لأكثر من مجرد أداءٍ ممتاز لتكون مؤثرة .

و بالتأكيد يواصل سكورسيزي سبره لمشروعه الأمريكي , يبدو و كأنما يلقي نظرةً وداعيةً على العلاقات المشبوهة و الأعمال الإجرامية التي رافقت تأسيس فيغاس , قبل أن يأتي الطوفان الذي يجتاح الجميع , ليبدأ حقبة جديدةً أثمرت ظهور فيغاس الحديثة بقوانينها و مشاريعها التي جعلتها أرض الأحلام في أمريكا المعاصرة  .

مقارنة هذا العمل بـ Goodfellas لامفر منها , و لا تنتهي لصالحه بأي حال من الأحوال , و في الوقت الذي يكرر جو باشي الشخصية التي صنعها هناك و منحته جائزة أوسكار , فإن روبرت دي نيرو يتفوق على أي مقارنة و يقدم أفضل أداءات الفيلم , دي نيرو يستغل حضوره و شخصيته ليقدم إيس روثيستين كما يجب فعلاً أن يكونه , ولعه بجينجر , صداقتهُ المتحفَّظ على تفاصيلها مع نيكي , حبه لإبنته , إخلاصه لعمله , وقسوته و صرامته تجاه كل من يحاول العبث بالكازينو دون إنفعالاتٍ فائضة قد تبدو ظاهرياً ملائمةً لشخصيةٍ كهذه , أداء دي نيرو مدروس بعناية , قد يكون آخر الأداءات العظيمة بحق في مسيرة هذا الممثل الأسطورة  .

بالمجمل هو فيلم جيد إلى حد بعيد , مدته الطويلة لم تضف إليه شيئاً خصوصاً مع الطريقة التي ينهجها السيناريو و اللغة السينمائية التي يتبعها مارتن سكورسيزي فيه , قد يكون أكثر أفلام سكورسيزي دمويةً , لكنه بالتأكيد ليس واحداً من أفضلها , هو بالمقابل ليس إستغلالاً رديئاً لنجاح سابق للرجل , تكفيه أحداثه المتشابكة المخدومة بإمتياز بمونتاج ثيلما سكونماكر , و أداءاته الصلبة التي يقدمها أبطاله الثلاثة لتجعله فيلماً يستحق المشاهدة .