الأحد، 22 يونيو، 2014

Psycho

كتب : محمد المصري

التقييم : 5/5

بطولة : أنتوني بيركنز ، جانيت لي
إخراج : ألفريد هيتشكوك (1960)

في الستين من عُمره ، كان هيتشكوك قد حقق عدداً من أكبر نجاحاته خلال الخمسينات ، صار واثقاً كفاية لأن يذهب في مغامرةٍ غير مُعتادة ، ويصنع فيلماً بـ800 ألف دولار فقط يكون هو – بصورةٍ أوضح وأظهر من أي مرة - بَطله الأول ، وربما الوحيد ، (قررت التجريب وصناعة فيلم ألاعب فيه الجمهور) ، و السيد كان في مزاجٍ مُناسبٍ للمُلاعبة ، ولم يَكن يدري أنه يَصنع للتوّ (أنجح) أفلامه على الإطلاق ، وما يعتبره الكثيرون أعظمها أيضاً.

(في هذا الفيلم الموضوع نفسه لا يهمني كثيراً ، ولا يهمني الممثلون أيضاً ، ما همّني هو تجميع أجزاء الفيلم ، والتصوير ، وشريط الصوت ، وكل ما هو تقني بحت بإمكانه أن يجعل الجمهور يُوَلْوِل ، وأعتقد أنه إرضاء كبير لنا أن استخدام فن السينما لخلق انفعال جماهيري ، وما هز الجمهور ليس القصة و لا الأداء ، ما هز المشاعر إنما كان الفيلم الصِرْف) ، و لمُلاعبةِ هيتشكوك أشكالٌ عديدة في هذا الفيلم ، وما من تفصيلةٍ تُرِكَت للظروف ، في كل لَقطة (كنت أضع الجمهور في ذهني ، أسير معه وأحاول أن أفهم كيف سيفكر ، كي أصنع شيئاً مُدهشاً).

يَبني هيتش الـ45 دقيقة الأولى مثلاً بشكلٍ عادي وإيقاعٍ مُتَمَهّل ، يحرك أذهان الناس عن أنه عملٌ عن السرقة ، يجعله يتعاطف مع الشخصية ، التي يختارها كنجمةٍ سينمائية على قدرٍ من الشهرة ، ويُمَحْور كل شيء حول المال والـ40 ألف دولار ، الحوار والمونتاج وزوايا التصوير ، ذلك كله كي يُحضَّر لقنبلته الخاصة ، الشيء الذي قَلَبَ موازين السينما ، حين رأى الناس نجمة تُقتل على الشاشة بأبشعِ صورة.

مشهد الحَمَّام ، أعظم مَشهد في تاريخ هيتشكوك بالتأكيد ، استغرق تصويره 7 أيام في حين أنه لا يستمر على الشاشة أكثر من 50 ثانية ، ورغم أن السكين لا يُلامس جسد جانيت لي إلا أن الجمهور كان يَصرخ في عروضِ الفيلم ، هذا تحديداً بسبب (السينما) ، ألاعيب التصوير والمونتاج السريع وموسيقى بيرنارد هيرمان ، كل ما هو (سينمائي) قَحّ هو ما ترك هذا الأثر الذي لا يُنسى ، وهذا تحديداً ، وأكثر من أي شيء ، هو انتصار هيتشكوك الأكبر ، والأهمية الفائقة لفيلمه هذا.

لاحقاً ، لا يتوقف هيتش عن المُلاعبة ، ليس في سيناريو الفيلم ، العادي عند قراءته مَكتوباً ، ولكن في أدواته (السينمائية) التي كانت في قمتها ، مشهد مثل إنزال نورمان والدته إلى القبو ، يصورة في لقطةٍ واحدة تدور فيها الكاميرا بشكل غريب كي تأخذ لقطة رأسية من خارج الغرفة ، لماذا يفعل ذلك ؟ ، كي لا يضطر للافتعالِ في عدم تصوير الأم إذا ما لجأ لتقطيعٍ عادي ، وكيف يصرف ذهن الجمهور عن (لفّة) الكاميرا الغريبة ؟ ، بالحوارِ الدائر بين نورمان وأمه وانشغال الجمهور بالصراعِ و (الخناقة) الصوتية ، وهكذا كان يستغل كل لقطة وكل مساحة على شريط الصوت ، لم يكن فيلماً بقدر ما هي مباراة شطرنج ، (وكنت أحاول أن أسبق تفكير الجمهور في كل خطوة).

حقَّق الفيلم حينها ما يزيد عن 45 مليون دولار ، أكثر من أي فيلم آخر لهيتشكوك ، وسعادته به كانت لا تُوصف ، لأنه ، في وقتٍ لم يكن النقاد يعيروه انتباهاً ، ولم يكن الناس يأخذونه بجدية كافية ، جاء هذا الفيلم ، دون نجم شباك ، ومُقتبساً عن روايةٍ متوسطة القيمة ، ليصنع دوياً تاريخياً في السينما ، اعتماداً فقط على موهبة المُخرج ، ولعقودٍ بعدها ، صار نموذجاً للفنِ الصّرف ، الفن القّح ، ما يمكن أن تفعله الأفلام ، بالصوتِ والصورة ، ويعجز عنه أي وسيط آخر عرفه الناس ، كان Psycho هو عُصارة السينما وخُلاصة مَعرفة مُعلمها العظيم الذي لم يقدم أي فيلم خالِد آخر بعد ذلك ، كأنه أخرج هنا كل ما يعرفه ، واكتفى.
.
.

لثلاثةِ أشهر لم أفعل أي شيء أكثر من مُشاهدة أفلام هيتشكوك ، قراءة حواره مع تروفو ، والكتابة عنه ، كانت تجربة مُدهشة في المُجمل ، أتمنى أن يَفعلها الجَميع ، وعلى الأغلبِ تنتهي التجربة مع تلك السطور ، وأنا مُمتن جداً للسيد ألفريد على ما منحه للسينما خلال 5 عقود ، وما منحه لي طوال 3 أشهر.