الجمعة، 6 يونيو، 2014

Vertigo

كتب : محمد المصري

التقييم : 5/5

بطولة : جون ستيوارت ، كيم نوفاك
إخراج : ألفريد هيتشكوك (1958)

يَستغرق هيتشكوك قرابة الساعة قبل الوصول لنقطةِ الذروة الحقيقية الأولى في فيلمه ، وخلال تِلكَ الساعة نَقضي أغلب الوقتِ في المُراقبة ، تُعرض المَشاهد من مَنظورِ البَطَل ، نُراقب بطلة الفيلم مثلما يُراقبها ، تَعْتَمِلُ الأشياء أمامنا في أكثر أفلام الرَّجل وُحدويَّة مع شخصيته الرئيسية ، وحين نتعرَّض لصدمةِ انتحارها ، نستشعر تحديداً ما يُعانيه من صَدمة وشعورٍ بالخَواء ، وهو ما نلمسه في كابوسيةِ مَشهد الحُلم ، الذي يتم تصويره بصورةٍ غرائبية ، ليصل تحديداً إلى الرُّعب الذي يَستشعره (سكوتي).

ذلك التَّمهيد الطويل ، الذي يَبني بالموازاة نصاً تحتياً عَميقاً عن العودةِ من الموتِ ، والأرواح العالقةِ في أجسادِ آخرين ، وهواجس الماضي التي تَعْلَقُ بنا وليسَ من السهلِ تجاوزها ، ويَبني كذلك ، دون أن يتجاوز أهمية الحَدَث ، واحدة من أعظم شخصيات هيتشكوك على مستوى البناء ، والذي نَعرف عنه كل شيء في مشاهدٍ قليلة ، دون أن يُحاول أن يخبرنا عنه شيء بالفعل.

تلك الساعة التمهيدية الأولى تَمنح الفيلم ثقله الحقيقي فيما بعد ، عند الانتقال ليُصبح فيلماً عن رجلٍ مَمْسُوسٍ بالحُب يُحاول إعادة المرأة التي يُحبها من الموت.

وفي الخيارِ الفني الأهم في الفيلم يقرّر هيتشكوك كشف الخدعة مُبكراً ، على عَكس القصة المقتبس عنها ، يَرمي تويست النهاية على الطاولة بلا اهتمام ، إيماناً منه بالفارق بين (التشويق) و (المفاجأة) ، وأن التشويق هو الأمر الأهم لأنه يستغرق وقتاً يتساءل فيه الجمهور : (ماذا سيفعل سكوتي وهل سيكتشف الخديعة ؟) بدلاً من أن يجلس ليشاهد بهدوء وصولاً لنهايةٍ (مفاجئة) لن تستغرق أكثر من دقيقتين ، خيار فاعل جداً على مستوى الإثارة ، ولكن الأهم هو مقدار الثقل الذي مَنحه للفيلم وشخوصه ومُتابعتنا نحن لما يَحدث.

يُبهرني هُنا التناقض بين نصفي الفيلم : في الأول يُحاول (سكوتي) إنقاذ (مادلين) من المَسّ بالماضي خوفاً من انتحارِها ، وفي النصفِ الثاني تحاول (جودي) جَذب (سكوتي) من النقطة التي عَلَقَ بها بماضيه في محبةِ امرأة ميتة.

في النصف الأول تخدع (جودي) (سكوتي) بـ(مادلين) ، في النصف الثاني تصبح (مادلين) هي لَعنة (جودي) التي لا تستطيع التخلُّص منها ، ذلك البناء المُدهش للنص عن امرأة جعلت رجلاً يُحب نسختها المُزيفة ، وتعجز الآن عن جعله يشعر بنفسِ الشيء أمام نسختها الحقيقية ، ومَفهوم العدالة ، الغريب جداً ، والمُتداخل جداً ، الذي يخلقه مَنطق الفيلم.

وحين يُصوّر هيتشكوك مشهد التحويل لـ(مادلين) ، ملابسها وملامحها ولون شعرها ولَفته ، يختار إضاءة خضراء ، كأنها العودة من الموتِ ، وكأن الخَلق يَكْتَمِل هُنا ، متوازياً مع ذروة جنون سكوتي وذنب جودي ، موسيقى بيرنارد هيرمان تُكْمِل الأسى الشديد الذي يملأ لحظةً كتلك ، مما يمنح تتابعات النهاية ، العَظيمة أيضاً ، شعوراً لا يُمكن مُراوغته بـ(الخلاص) ، خلاص سكوتي من هَوسه وجنونه ، وخلاص جودي من ذنبها وأخطاءها.

حين شاهدتُ الفيلم للمرةِ الأولى تأثرت سلباً بفيلمٍ مصريٍّ مقتبسٍ عنه يُسمّى (الوهم) ، شاهدته قبله وجعلني مُدركاً للأحداثِ قبل وقوعها ، لم أقدر Vertigo أبداً كما يجب ، حتى شاهدته أخيراً قبل أسابيع ، شَعرتُ كالرجلِ الذي كان أعمى ثم رأى ، أدركت لماذا يُوضَع هذا الفيلم دائماً في قوائِمِ أفضل أعمال السينما التي أُنْتِجَت ، عَلمتُ لماذا يعتبر هيتشكوك أنه أفضل أداءات جيمس ستيوارت ، وبالنسبةِ لي صار (فيلم هيتش المُفضَّل) ، مع  Psycho، والذي سيكون آخر ما أكتبُ عَنه في ذلك التتابع الطويل الذي استغرقته لأسابيعٍ بداخلِ أفلامه.