الجمعة، 6 يونيو، 2014

The Haunting

كتب : عماد العذري

التقييم : 4/5

بطولة : جولي هاريس , ريتشارد جونسون , كلير بلوم
إخراج : روبرت وايز (1963)

بين فيلميه الفائزين بأوسكار أفضل فيلم : West Side Story عام 1961 و The Sound of Music عام 1965 قدم روبرت وايز كلاسيكية الرعب هذه عام 1963 إقتباساً عن روايةٍ لشيرلي جاكسون نشرت تحت إسم The Haunting of Hill House , يقدم لنا الفيلم قصة إليانور فانس الشابة التي تجد متنفساً جديداً في حياتها البائسة من خلال إنضمامها إلى فريق الدكتور ماركواي عالم الأنثروبولوجي للتحقيق في الشبهات الغامضة التي تحوم حول منزلٍ مهجورٍ و غامض يدعى The Hill House .

بالمفهوم التقليدي المحض لا يقدم هذا الفيلم الرعب كصنفٍ خالص , هو يبدو مزيجاً من فيلم الغموض و الإثارة ذو المسحة المرعبة , و هو في هذه الجزئية تحديداً واحدٌ من التجارب النادرة في حقبته رفقة The Innocents الذي سبقه بعامين , و بعيداً عن التصنيف السينمائي و القيمة الفنية للنص فإن هذا الفيلم يكشف برأيي عن موهبة روبرت وايز الإخراجية أكثر ربما من الفيلمين اللذين توجاه بالأوسكار – سابقاً و لاحقاً – خصوصاً إذا ما وضعنا بعين الإعتبار تمكنه من إدارة عملٍ كاملٍ أبطاله أربعة أشخاصٍ فقط وضعوا رهن جنون الإرتياب ضمن موقع أحداثٍ واحد , في حقبةٍ إنشغلت فيها أفلام الرعب الأخرى بتقديم المسوخ و الشعوذة و الرعب القادم من الفضاء كمحاولةٍ للقفز بعيداً عن كلاسيكيات دراكيولا و فرانكنشتاين التي سيطرت على الصنف لعقود .

في هذا المسعى يوظف روبرت وايز التصوير البديع الذي يجود به مصوره ديفيد بولتون لخلق رهبةٍ غريبةٍ تجاه المكان , يبدو فيه و كأنما يستفيد كثيراً من تحفة السير ألفريد هيتشكوك Psycho لإضفاء حس الغموض و الهلع على المكان الرهيب , لكن مع عملٍ أكثر على التصوير الداخلي الذي يتعامل بطريقةٍ مدروسةٍ مع زوايا تصوير بديعةٍ فعلاً لصنع إحساسٍ هلوسيٍ صريح يضفي عليه اللونان الأبيض و الأسود مذاقاً مختلفاً , الأمر الذي يجعل مجرد صنع نسخةٍ ملونةٍ من هذا الفيلم مغامرةً غير محسوبةٍ بالمرة .

لتدعيم ذلك الإحساس يعتمد النص في أساسه على أحاديث إليانور الداخلية , المحمّلة بالكثير من الطاقة الوهمية عن نداءٍ خفيٍ يجذب الشابة المضطربة نحو هذا المنزل الغامض , هذه الأحاديث تحمل على عاتقها صنع الثقل الرئيسي للنبرة الهلوسية للعمل , و تتظافر بقوة مع العمل الإخراجي الكبير لروبرت وايز على مستوى إدارة الكاميرا و المونتاج لتخلق وحدها الجزئية الأهم في نوعية عملٍ كهذا : خلق الحالة المطلوبة من البارانويا التي تصيب عادةً أشخاصاً يقيمون في مكانٍ مخيف لمدةٍ معينةٍ من الزمن .

و لأن الفيلم لا يبنى على نصٍ قوي بشكلٍ حقيقي على مستوى صناعة الحدث , و هي مشكلته الحقيقية , يتلافى روبرت وايز الأمر بإعتماده كثيراً على ما وراء النص , و يكثف جهده على إيصالٍ نوعٍ من الأحاسيس الخفية تجاه شخصياته المختلفة , خصوصاً غموض الدوافع التي تسيّر الدكتور ماركواي في بحثه الغريب هذا , و التكثيف المفاجيء في منتصف الفيلم على غموض ثيودورا , و الشعور غير المريح الذي يزرع في المشاهد مع كل إطلالةٍ للخادمة , و العاطفة المنسلة في قلب إليانور تجاه ماركواي , و اللامبالاة العجيبة التي نشاهدها في ماركواي أثناء بحثه عن إليانور الهلعة على الرغم من جهله بمصير زوجته المختفية , و فوق ذلك الأسرار التي لا نعرفها عن ماضي إليانور و السبب الذي يجبر شابةً في مقتبل العمر على خوض تجربةٍ مخيفةٍ كهذه , كل هذا يوظف بشكلٍ جيد و يصل بصورته المطلوبة ليتوج العمق الحقيقي للعمل , العمل يتناول حقيقة أن الناس يريدون تصنيفاً سهلاً للأشياء , يبحثون عما يرضيهم حتى لو لم يكن حقيقياً , و حقيقةً لم أشاهد من قبل عملاً في هذا الصنف لا يبدو فيه الخصم (أو الطرف الآخر من المعادلة) حقيقياً بصورةٍ واضحة , أو بمعنى آخر قد لا يكون هناك خصمٌ في الأساس , روبرت وايز يستغل بشكلٍ جيد كمّ الأحاسيس و المشاعر المتباينة التي زرعها فينا طوال الأحداث ليجعلنا حائرين تماماً في الختام , من هو الطرف الآخر في المعادلة ؟ , هل هو منزلٌ مسكونٌ بالفعل ؟ , أم أن الخوف الحقيقي في حياة كل إنسان نابعٌ في الواقع من ذاته ؟ , هل عشنا تجربةً غير طبيعيةٍ بالفعل مع شخصيات العمل ؟ , أم أن هناك من دبّر مؤامرةً ذكية كي يحصل على المنزل بأقل سعرٍ ممكن ؟ , في الختام نصابُ بحالةٍ تأمليةٍ فريدة نعتصر فيها الكثير من الأسئلة , و نكتفي بأن نأخذ – كلٌ بحسب طريقة تقبّله لما شاهد – التصنيف الأسهل للأمور , تماماً كما أراد النص لنا .

حالاتٌ قليلة شعرت فيها برغبةٍ في التصفيق لعملٍ إخراجيٍ في فيلم رعب , و هنا , بإدارته الذكية للصورة و المونتاج , و بتكثيفه المدروس و الممنهج على التفاصيل الغريبة في شخصيات أبطاله (و جميعنا في الواقع نمتلك بعض التفاصيل الغريبة في شخصياتنا) لتبدو مؤثرةً في البعد الهلوسي للعمل , ثم بتوظيفه لتلك التوليفة في خدمة القيمة الفنية للفيلم عن غريزة التقبل و الرضا غير الحقيقيين , جعلني روبرت وايز أشعر بتلك الرغبة في التصفيق مجدداً .