الخميس، 19 يونيو، 2014

Oslo, August 31st

كتب : محمد السجيني

التقييم : 5/5

بطولة : آندرش دانييلسن لاي ، هانز أولاف برينر
إخراج : يواكيم تريه (2012)

في كُل عام ابحث عن عمل يُقدّم الثيمة التي احبّها ، (هؤلاء الذين ارادوا ان يكونوا شيئاً) ، او حتي ما اقترب منها ، واكون مُدركاً تماماً انها لو قُدّمت بشكل جيد سيُصبح الفيلم مُفضّلاً ، وخلال اربعة سنوات كاملة - بالتحديد منذ ظهور مُصارع ارنوفيسكي - لم اشاهد عملاً قدّمها كما اتمنّي ، وخرجت بقناعة انه من الصعب مُشاهدة عمل كهذا مُجدداً ، لكن فيلم يواكيم ترييه الاخير هدم قناعتي تماماً  .

الفيلم الثاني للمُخرج يواكيم ترييه هو فيلم عظيم ، يفتتحه الرجُل بمشهد مُهم يحاول فيه اندرش الانتحار ، يبين فيه يواكيم للمُشاهد اي شخصيّة هو مُقدم علي مُشاهدة رحلتها ، تبدأ الرحلة من المركز الي اوسلو ليقوم بلقاء عمل ، كفرصة لمُحاولة اصلاح الامور ، لكنها تتحوّل الي (كارثة) ، اندرش ينفجر عند سؤاله عن فراغ سيرته الذاتيّة ، فيرحل ويلقي بسيرته في سلّة المُهملات ، وتمتد الأمور الي رفض اخته ان تقابله ، وتجاهل حبيبته السابقة له ، امور تجعله يشعر بفجوة زمنيّة تركها خلفه ، وتجعله يشعر ان المدينة تلفظه ، وتأمره بالعودة من حيث جاء ، في المساء يعود اندرش للحفلات والشُرب كمحاولة للعودة الي الحيَاة ، لكن الامر يبدو مُستحيلاً ، اندرش يخبر الفتاة التي اعجب بها ان ما دار بينهما سيُنسَي !! فقط هكذا سيُنسي ، مشهد عبقري عن هذا الثُقل الذي يحمله في نفسه والجراح التي تأبي مُبارحته ، يعود الي منزله ، ويتناول حُقنة مُخدّرة ، ويرقد علي سريره في سلام ،

يواكيم ترييه في عمله هذا يُثبت انّه مُخرج قدير ، الرجُل يجعلنا "نشعر" بما يواجهه اندرش لا "يُخبرنا" شيئاً ابداً ، فقط يلعب علي جُزئيّة احساس شخصيته الرئيسيّة والاهم ان العمل يتجاوز ذلك و"يلمس" فينا هذه الجُزئيّة ، عندما تبدُو الامور مُنتهية لأي سبب ، ليس بالضرورة ان تكون الادمَان فحسب ، يلمس فينا ذلك الشعُور الصعب بأن الحياة غدت بلا معني او طائل ، يجعلنا "نعيش" مع اندرش وهو يفقد تدريجيّاً جدوي وجوده علي قيد الحياة ، "نُجرّب" شعوره بالغُربَة وهروبه من الناس كم المشاهد الاختزاليّة في هذا الفيلم يستحق التقدير ويدعو للتأمُّل فعلاً ، يُخبرنا في البداية بمشهد اختزالي عظيم اثناء جلوسه مع صديقه عن مآساة اندرش ورغبته في الانتحار ، ثُم يلقينا بعد ذلك نحن وبطله في مدينته اوسلو ، يُصعّب الامر اكثر في مشهد لقاء العمل حين ينفجر اندرش ويترك كُل شيء ويرحل ، والمشهد الايقوني حين يستند علي ريبيكا وهي تقود الدرّاجة في واحد من أفضل مشاهد الرغبة في الانعتاق التي شاهدتها في حياتي ، الانعتاق الذي يرفضه اندرش حين يكون في صورة الأمل ، لأنه مُرهَق ، ويرغب في الراحة الابديّة ،

وعلي صعيد الآداءات ، اندرش دانييلسن لاي يُقدّم اداءاً جباراً ، يُشبع شخصيته بالعُمق ويبدو حقيقياً للغاية ، تعبيرات وجه الرجُل الذي يحاول ان يبدأ من جديد ، وتطارده ذكريات أليمَة ومُستقبل مُبهَم ، هذا هو الاداء الرجالي المٌفضّل بالنسبة لي في 2012 فيلم اوسلو هو فيلم مُهم ، صادق وحقيقي الي اقصي درجَة ، عن الخواطر المكسورة ، عن ذلك الماضي الذي يملأنا والمُستقبل الذي يُقلقنا ، عن تلك الجراح التي تأبي مُبارحة نفوسنا وتطاردنا ايّما ذهبنا ، وقبل كُل هذا هو عن ذات تاهَت ، وروح اُرهِقَت ولم يعد يعنيها شيء ، هذا هو فيلمي المٌفضل في 2012 .