الأحد، 1 يونيو، 2014

Kasaba

كتبت : فاطمة توفيق

التقييم : 5/5

بطولة : جهاد بوتن ، أمين جيلان ، فاطمة جيلان
إخراج : نوري بيلجي جيلان (1997)

الفيلم الروائي الطويل الأول لمخرجه نوري بيلجي جيلان ، عن قصة لوالده أمين جيلان ، أو سأعيد صياغة الأمر و أقول أنها ليست قصة وإنما هي أفكار ، يوميات ، ملاحظات ، ملاحظات ليست فقط ملاحظات وإنما أيضاً بصرية وسمعية تغمرك بجمالها ، مع قصص من تاريخ بشري طويل تكونه حواديت صغيرة ناعمة في تفاصيلها وشجنها وما تستحضره من ذكريات ، كل ذلك تم تقديمه بلغة شعرية سلسة ذات مستوى سينمائي راق جداً ، راق و جميل بشكل مفاجئ لتوقعاتك وأنت تعلم أنك تشاهد الفيلم الأول لمخرجه.

تجربة مشاهدة هذا الفيلم أستطيع أن أشبهها و كأنك تشاهد مقطوعة شعرية كتلك التي كان يكتبها طاغور ، في نعومتها و صدقها و امتدادها من الطبيعة و حالة السلام التي تنبتها بداخلك.

الفيلم يدور هناك في تلك البلدة الصغيرة في يوم شتوي تتساقط فيه الثلوج التي يلعب الأطفال فيها حيناً و يستدفئون بحرارة فصولهم الدراسية منها في حين آخر ، يجلس الكبار من مختلف الأجيال حول النار ليحكي كل منهم خلاصة تجربته أو وجهة نظره في الحياة وينساب الحديث بنعومة وتلقائية لينتقل بين كل شيء في التاريخ والدين والفلسفة والحياة عموماً ، نتعرف على حزن الأمهات الثكلى وذكريات المحاربين القدامى ونعيش كوابيس الأطفال ونجاهد معهم للاستيقاظ منها ونتحمس للتفاصيل الصغيرة المثيرة للاهتمام بالنسبة لهم ، نوري جيلان اهتم بنقل التفاصيل الصغيرة إليك ليتركك تصنع مع شخصياته عالمهم وتتوحد معهم تتعاطف وتضحك وتركض خوفاً ، وعلى الرغم من أن الفيلم هو تجربته الأولى بعد فيلم واحد قصير سبقه إلا أن ألق موهبته وبراعته يفرضان نفسيهما ويظهر أسلوبه المتميز الشعري الهادئ منذ البداية ، قد تجد فيما يصنعه شيئاً من إرث تاركوفسكي و كيشلوفسكي إلا أن نوري جيلان استطاع أن ينحت أسلوبه الخاص ببطء ونعومة تجعلك تشعر بروحه و منذ بداية مشواره في كل فيلم تشاهده له.

حينما أفكر في السينما بشكل عام أجد أن أكثر ما أحبه فيها هو شغف صانعيها وصدقهم فيما يقدمونه ، والفيلم هو مثال قوي عن الشغف والصدق والحب في صنع الأفلام ، فالفيلم وكما ذكرت هو من تأليف والد المخرج ، والفيلم عن بلدة صغيرة تشعر فيها ان المخرج يحكي من خلالها عن نفسه ، وعن مثال مصغر عن بلده العريق الذي تكونه بلدات صغيرة منسية كهذه ، ويظهر في الفيلم والد ووالدة المخرج كشخصيات رئيسية ، الممثلين هم أصدقاء للمخرج سيعيد التعاون معهم فيما بعد في أفلامه التالية ، يكفيك فقط أن تشاهد فيديو تصوير الفيلم لتشاهد الممثلين وهم يساعدونه في تصوير وتنفيذ لقطات لا يظهرون فيها ، في المجمل ، الفيلم ليس فقط عن تلك البلدة الصغيرة ، وإنما عن الشغف والفن والصدق في صناعة السينما.