الثلاثاء، 10 يونيو، 2014

Gertrud

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 4.5/5

بطولة : نينا بنس رود ، بيندت روث
إخراج : كارل تيودور دراير (1964)

"كل فيلم له روح خاصة به." دراير

لا يدين فقط بالفضل لأستاذ الأساتذة مخرجون في حجم بريسون ، تاركوفيسكي ، كيشلوفيسكي ، جودار وغيرهم ، ولكن يدين له أيضاً كل مشاهدي السينما وإن كان بعضهم لم يشاهد أفلامه بعد.
 
زوّد دراير السينما بأيقونة لكل عقد خلال خمسة عقود ، خمس تحف إنسانية تتحدى صدأ الزمن وإعادة حسابات الأهمية ، (The Passion of Joan of Arc 1928) – (Vampyr 1932) – (Day of Wrath 1943) – (Ordet 1955) – (Gertrud 1964).

شعوري ناحية (جرترود) شعور بين الرهبة والحنين لمجرد تذكر صورة أو عبارة من الفيلم، لكن دائماً يمكن تلخيص الحبكة في ظل العجز عن وصف الشعور ، (جرترود) مغنية أوبرا سابقة تعيش حياة زوجية غير سعيدة مع محامي وسياسي أرستقراطي ، تخبر زوجها عن عشيقها – مؤلف موسيقي شاب مغمور – وتطلب الطلاق ، العشيق يفضح العلاقة ويتفاخر بها أمام الغرباء ، تقابل جرترود حبيبها السابق لزواجها – شاعر رومانسي شهير – الذي يعرض بندم إحياء الماضي ، ترفض جرترود وتتذكر كيف تركته حين وجدت أقصوصة كتبَ فيها أبيات عن عمل الرجل وتعارضه مع الحب ، مفهوم جرترود للحب لا يقبل المساومة ، لا يمكنها تقبُّل وضعه محل اختيار ، لذا تركت الشاعر للمرة الثانية وكذلك تركت الشاب العابث والزوج الجريح ، تبتعد جرترود لتدرس وتعيش بمفردها في عزلة عن الرجال الذين لم يبادلوها الحب الذي تتوقعه ، دراير لم يجعلنا نحب بطلته أو نكرهها ، دراير جعلها أيقونة للحب الغير مشروط الذي يؤمن به.

كعادة الفنان العظيم يُهمِل دراير القيود الزمنية التي قد تدفع غيره للمواكبة حتى يتم قبوله داخل العصر ، لكن الفنان العظيم يعمل وفق معاييره الخاصة ومصداقاً لرؤيته التي – مثل (جرترود) – لا تساوم ، دراير استخدم اللقطات الطويلة كما استخدم اللقطات القريبة لوجوه قليلة التعبير ، كل كادر جدير بالدراسة ، كل مكون من مكونات الصورة في شكله ودرجة لونه المُثْلَى ، الحوار تدخل جراحي لابد منه ، تناغم لا يمكن وصفه ، هو فيلم للتقديس الفني ، فرصة للمخرجين لتوضيح ما يمكن أن يصل إليه الفيلم عند صناعته بهذا القدر من الكمال ، وفرصة للمشاهدين لخوض تجربة تُمكِّنهم بعدها تمييز الخبيث من الطيب في السينما.

عندما عُرض (جرترود) في كان قابله الجمهور بصيحات الاستهجان رغم عدم ترشيحه ، كذلك تم رفضه كمرشح لأوسكار أحسن فيلم أجنبي ، الصحافة اتهمت دراير بالخرف ، تنتهي المهرجانات وسياساتها ولجان تحكيمها وصحافتها وحتى جمهورها ويبقى الفن ، ويبقى (جرترود) معجزة سينمائية فريدة لأن ما ينفع الناس يمكث في الأرض.
فسلام على الروح المؤمنة بالحب والمعجزات ، سلام على السبب المهم لوجود بيرجمان ، سلام على من كانت المرأة المظلومة دائماً ما تؤرقه ، سلام على (دراير).

"جرترود فيلم صنعته بقلبي ، فيلم صنعه القلب عن القلب ، وهذا ما يثير اهتمامي قبل أي شيء ، وليس تقنية السينما" - دراير