الخميس، 22 مايو، 2014

The Man Who Knew Too Much

كتب : محمد المصري

التقييم : 4.5/5

بطولة : جون ستيوارت ، دوريس داي
إخراج : ألفريد هيتشكوك (1956)

لم يَسبق لي أن فهمت لماذا لا يتم التعامل مع هذا الفيلم باعتباره من كلاسيكيات هيتشكوك الكبرى، على الرغمِ من كونه واحداً من أكثر أفلامه قيمة على المستوى الفنّي ، ومن أعلاها نُضجاً على مستوى تناول شخصيات عاديَّة في ظروفٍ عصيبة.


سبقَ لهيتىشكوك أن قدّم نفس القصة في نسخةٍ إنجليزية في الثلاثينات ، وكان واحداً من أنجح أفلامه ، قبل أن يحتفظ بنفس الحكاية والخيوط والمشاهد الأهم ، ويقدمها في نسخةٍ أمريكية أفضل كثيراً لأنه صار أكثر تمكُّناً كمخرج ، أو بحسبِ وصفه فإنه (يمكن اعتبار النسخة الأولى لهاوٍ موهوب ، بينما الثانية لسينمائي مُحترف).

القصة عن زوجين ، يقومان بقضاءِ رحلة برفقة ابنهم في المغرب ، يتعرفان بالصدفة على رجلٍ فرنسي غامض وغريب الطباع ، وفي اليومِ الثاني يُقتَل الرّجل في السوق ، ويتجه بخنجرٍ في ظهره نحو الزوج ويخبره بأن "هناك سياسي كبير في بريطانيا سيتم قتله ، ويجب عليك الذهاب لأمبيرز تشيبر" ، قصة "هيتش" المُفضَّلة عن رجلٍ عادي يجد نفسه متورطاً في حكاية أكبر منه كثيراً ، ولكن الأمر يزداد هنا عند اختطاف الابن من قبل العصابة السياسية لمنعِ والده من التحدث عما عرفه ، حتى تتم جريمة القتل.

هناك عدة أشياء هامة تخلق قيمة هذا الفيلم ، أولها هو التورط الذي نجد أنفسنا فيه مع البطل ، عادةً لا أحب الفصل الأول التمهيدي في أفلامِ
هيتشكوك ، ولكنه هنا يكون مهماً فعلاً و جزءاً أساسياً من الحكاية، طوال النصف ساعة الأولى نتعرَّف بصورة جيدة على الزوجين والابن ، ونلاقي الشخص الغريب – مثلهم – بالصدفة ، ولذلك ، فإن قدومه عليه في السوق ، بزاوية تصوير من وجهة نظر البَطَل ليزداد شعورنا أننا معه في نفسِ النُّقطة ، ثم الهمس في أذنه – الذي نكون فقط من يسمعه إلى جانبه - يُعمق جداً شعور "الورطة".

الشيء الثاني هو التناقض الأخلاقي الحاد الذي توضع فيه أسرة بين رغبتها في إعادة ابنها المخطوف ، وبين الحِمل الكبير الذي تعرفه عن رجلٍ سيتم قتله قريباً ، أحياناً ما يميل
هيتشكوك للهَزَل والخفّة أثناء سرده لحكاياته ، نفس كوميدي مُبَطَّن ، وبالنسبة لي يُمثّل ذلك مشكلة لأنه لا يُناسب حجم الورطة والكارثة التي تمر بها الشخصية ، وهو ما سبب فجوة كبيرة بيني وبين فيلم North By Northwest في إعادتي الأخيرة له ، الوضع هنا مُختلف ، نحنُ نَشعر فعلاً بثقلِ ما يحدث ، الخوف على الابنِ ، التَّوهة والقلق وعدم معرفة القرار الصحيح بشأنِ المعلومات التي نعرفها .

و جانب أصيل من شعورنا بالثقلِ هذا يأتي من أداءاتٍ كبيرة فعلاً ،
هيتشكوك كان يعتبر أن أفلامه مع كاري جرانت مختلفة عن أفلامه مع جيمس ستيوارت ، الأول يَمنح الأمر بعض الخفة والكوميديا ، ولكن الثاني أكثر عاطفة ، وهو أمر بالغ الأهمية هنا ، ستيوارت و دورس داي قدما أداءاتٍ رائعة ، ما يُناسِب حجم الوَرطة ومأساة اختطاف الابن الوحيد.

أما الأمر الأخير ، و الأهم ، ككلِ فيلم ، هو هيتشكوك نفسه، وأكثر ما يهمني ويُثيرني هنا هو استخدامه المُدهش للموسيقى منذ تترات العمل ، الأيقونيَّة جداً ، وعلاقة ذلك بكونها شيئاً أساسياً في جريمة القتل التي ستحدث ، وتركها تقود رَوح الفيلم في مفاصله الأهم ، وصولاً لإنقاذِ الطفل في الختام عن طريق أغنية
Whatever Will Be, Will Be العظيمة، وخلاف ذلك ، هناك تلك الغرابة في مشهد مُحَنّط الحيوانات ، أو التوتُّر العالي في مشهدِ الكنيسة ، قبل أن يصل لذروةِ كل شيء في مشهد "ألبرت هول" الاستثنائي ، دون حوار ، وبحدثٍ مَضغوط ، وباعتمادٍ كُلي على المونتاج والموسيقى ، والمعلومة الخطيرة التي يتشاركها المشاهِد وحده مع بطلي العَمَل ، والنتاج هو أحد أعظم المشاهد التي أخرجها الرجل في مسيرته ، في أكثرِ أفلامه العَظيمة - بالنسبةِ لي - تجاهلاً و عدم تقديراً على الإطلاق.