الجمعة، 30 مايو، 2014

Syndromes and a Century

كتب : فراس محمد

التقييم : 4/5

بطولة : نانتارات ساواديكول ، سوفون بوكانوك
إخراج : أبيشاتبونغ ويراسيتاكول (2006)

الرجل الاكثر قدرة على تجسيد الاحلام حاليا في السينما يستطيع ان يجعل الحلم بوابة لأي زمن , ولأي غرض , و يستطيع أن يمد هذا العبور الزمني أو المكاني أو الفكري بأي إحساس يرغب في شحنه , كانت في العم بونمي على شكل رغبة في التخلص من الندم , كانت في الداء الاستوائي رغبة في الاستكشاف والبحث عن البدائية , و لكن في أكثر أفلامه قربا من المُشاهد برأيي كان يشحنها بالحنين , يبدو و كأن الفلم لم ينتقل فقط زمنياً , بل حمل معه كل مشاعر و أفكار و مناخ و رومانسية و واقعية الفترة التي صورها من خلال تقديمه لشخصيتي (طبيب و طبيبة) في فترتين زمنيتين (يبدو) أنهما متباعدتين , هذا الامر تتكفل الكاميرا بإيضاحه , كما تتكفل بترك المُشاهد منبهراً و منوماً بالفلم طيلة مدته.

عكل حال المخرج التايلندي ابيكاتوبونغ ويرسيثكال هو افضل منوم مغناطيسي سينمائي من الممكن ان ينصح به , الرجل يستطيع ان يترك لفلمه خشوعاً و صمتاً في المشاهد , يستطيع أن يعبث بلا وعيه من خلال طريقته في تحريك الكاميرا , و من خلال تركيزه على الألوان الطبيعية , و أيضاً من خلال الخلفية الصوتية التي عادة ترتكز على أصوات الطبيعة أو الحشرات أو المياه , وعندما يستعمل الموسيقى التصويرية تبدو وكأنها خارجةٌ من حلم .

الحنين الذي يتكلم عنه هذا المخرج (الذي سأتفادى تكرار اسمه لطوله) يبدو و كأنه حنينه الخاص , هناك انتقالات زمنية في الفلم ما بين ذاكرة المخرج , و ذاكرة شخصياته , من مشهد الافتتاح يبدو أن هناك براءة و متعة في الحديث الدائر , في تعبئة استبيان لالتحاق طبيب جديد بالمشفى , هناك رغبة في التعرف عليه , المخرج يقدم لنا هذا المشهد بكل ما يملك من رغبة في إظهار براءته و عفويته , و له في ذلك اسبابه , فهو يقص القصة نفسها مرتين في زمنين مختلفين , ويقدم ما حدث بينهما من تعديلات انسانية وثقافية وفكرية وعمرانية ليس في تايلند فحسب , بل في أي مكان قابل للتطور أو التغير .

المشفى يُعالج رجال الدين الهندوس , يصور المخرج عدة جلسات حوار بين رجال الدين والأطباء , أحد الأطباء يحب الغناء , رجل الدين يحب أن يكون دي جيه , الحوار أيضاً يستمر بنفس العفوية والتلقائية , أحد رجال الدين يعاني من أحلام مزعجة سببها قيامه بكسر أقدام الدجاج في صغره , حتى لزهرة الأوركيد في الفلم معيارٌ حضاري و له اسقاط مستقبلي .

في الجزء الثاني من الفلم (قد يكون الحاضر) , المقابلة تتخذ شكلا آخر , زهرة الأوركيد تتخذ شكلا آخر , نبرة الصوت وحركة الكاميرا تتخذان شكلاً آخر , كل شيء يبدو أنه تعرض لعملية تطوير ممنهجة أفقدته الروح ، أفقدته البراءة التي صورها بداية الفلم , وهذا المخرج باعتباره ومن خلال أفلامه يصور مدى حاجة الانسان للطبيعة , ومقدار الروحية التي تملكها باعتبارها طبيعةً أم ، المكان الذي تتجمع فيها الارواح والمكان الذي يشع منه السلام والدفء , يجد في مستقبل حالته هنا حالة تشاؤمية , اللون الاخضر بداية الفلم تحول للون الاسمنتي , لم يعد رجل الدين مهتماً بطبيبه , كل شيء آلي , حتى مركز معالجة مصابي الحرب يبدو وكأنه ورشة ميكانيكية أكثر منها غرفة في مشفى , الأطباء بدأوا يمارسون الحيل , البعض منهم يأتي للمشفى لشرب الكحول , و أصنام في كل مكان كانت في زمن غابر أزهار اوركيد , انه فلم كما وصفه مخرجه بأنه فلم عن القلب , عن الجزء الحي الذي يموت فيه , الفلم يقدم نوستالجيا فيها حزن على كل شيء , وقيام مخرجه بالتركيز على صفات زمنين بهذا الشكل يوحي بذلك .

أفضل افلام هذا المخرج , المخرج التايلندي الذي يرتبط اسمه بصنف الأرت هاوس , هنا كان أكثر شجوناً وعاطفة من أي فلم آخر له وهو يتحدث عن مكنونات الذاكرة , وهو يتحدث عن غبار الذاكرة الذي يجد طريقة للاختفاء , هي المتلازمة التي تحدث عنها , أو القرن الجديد وملامحه المستقبلية .