الأربعاء، 7 مايو، 2014

Last Tango in Paris

كتب : فراس محمد

التقييم : 5/5

بطولة : مارلن براندو ، ماريا شنايدر
إخراج : بيرناردو بيرتولوتشي (1972)

الكتابة عن هذا الفيلم يحمل شيئاً من المخاطرة ليس لجرأته ,  بل لأنه يملك من التشعبات ما يجعل السيطرة عليه أمراً عسيرً , و للدرجة التي في بعض الاحيان يجعل تأويل و استيعاب ما جاء فيه من افكار و رمزيات سبباً في خسارة جزء من سحر الفلم الأهم الكامن في غموضه و في قدرته على اشعال ذاكرة و مخيلة المُشاهد بما يحويه من تراكيب بصرية متداخلة و تعابير لونية , و في ذلك مخاطرة كونه فيلماً لا يملك باباً واحداً للدخول عبره بل أن إجبار المشاهد على اختيار باب واحد للعبور من خلاله للفيلم يُلغي إمكانية فتح أبوابٍ أخرى ,  قد تعطي الفيلم و شخصياته ابعاداً مهمة , و لكن قدرته على السيطرة على مشاهديه , تجعل الكتابة عنه بالرغم ما تحمله من مخاطرة أمراً ممتعاً , بل تتحول لحاجة لتفريغ كل الشحنات التي فرغها الفيلم في ذاكرة و وعي و لاوعي المشاهد ، و إلا فأنه سيُحفظ في الذاكرة على شكل صور مستفزة و مربكة , هو ذات السبب الذي جعلني فيما سبق ارغب في الكتابة باستفاضة عن تحفة انتونيوني Blow-Up,  و فيلم مايكل هانكة Benny’s Video , و لنفس السبب الذي يجعلني راغباً في الكتابة مستقبلاً عن فيلم بيرتولوتشي السبعيني The Conformist.

الاهتمام بتحفة الايطالي بيرناردو بيرتولوتشي تجاوز دقائق الفيلم المليئة بسينما قلقة تبحث في العزلة و تستمد موضوعاتها الانسانية من الحياة و السياسة و الثقافات و التناقص و السينما ,  من الميت و الحي , كواليس هذا الفيلم فلم قائم بذاته ، فبعد نجاح بيرتولوتشي الكبير في تحفته السبعينية The Conformist (الفيلم الذي أغضب أستاذه بازوليني) ، قرر التعاون مع أكثر ممثلي أميريكا جدلاً و تمرداً مارلن براندو في نفس العام الذي رفض فيه الأخير استلام اوسكاره عن دوره الايقوني في عراب كوبولا ,  و الذي قال عقب الانتهاء من عرض فلمه هذا ان بيرتولوتشي اخترقه نفسياً كما لم يفعل مخرج من قبل , للدرجة التي هدد فيها بعد أداءه للمشهد الارتجالي – حديثه عن طفولته – بالانسحاب من الفيلم ,  لكن بيرتولوتشي كان يتعامل معه ليس كممثل , كان كمن يعيد ترويضه وتحريضه على التغلغل في شخصيته هذه , تعامل معه كمن يتعامل مع ثورة غضب و ثورة مكبوتة و مستعدة للانفجار , و يبدو ان الفيلم و لهذه الاسباب وعدنا بالأداء الاهم برأيي لبراندو في مسيرته الكبيرة , الدور الذي وصفه شون بين بأنه الافضل , جلسات و نقاشات براندو و بيرتولوتشي و حديثهما حول كل شيء ,  سواءً له علاقة بصلب الفيلم او خارجها ساعد على تكريس هذه الثنائية و هذا التفاهم أو بالأحرى التسوية التي انعكست على أداء كلاهما , و كأنهما يخوضان تجربة روحية أكثر منها سينمائية.

أفكار بيرتولوتشي السينمائية شمولية , تصل للتحكم بروح الفيلم عبر الذاكرة و دلالات المكان المغلق و الجسد و نبرة الصوت و اللون و الكاميرا , للتحكم بالمقاربات و المقارنات بين أجواء و ألوان مواقع التصوير و دلالاتها , و في قدرته على استخدام الكاميرا كعين تتلصص على شخصياته , تكتشف المستور و المخبأ فيها , تصل للدرجة التي تستطيع فيها أن تعريهم و تنشر كل ما يفهمونه و ما لا يفهمونه من مشاعر على الشاشة ,  يورط مشاهديه في عزلتهم و يدخلهم متاهةً من الصدام الإنتقامي بين الحاضر و الماضي ، بين الفوضى و التقليدي و المنظم , و لتكثيف و تعزيز هذا المغزى والمعنى اللوني لفيلمه و الحصول على الانطباع القادر على حمل المشاهدين على الاستجابة له و التأثر به إستخدم مدير التصوير الموهوب و الغير معروف حينها فيتوريو ستورارو الذي شكّل فيما بعد ثنائية عظيمة مع المخرج الاسباني كارلوس ساورا و شارك كوبولا العمل على تحفته Apocalypse Now و نال عنه أوسكاره الوحيد , بيرتولوتشي اصطحب مدير تصويره ستورارو لأحد معارض اللوحات في باريس , و طلب منه أن تبدو ألوان فلمه شبيهة بلوحة الرسام البريطاني فرانسيس بيكون (بورتريه لوسيان فرود) و أن تستمد سينماتوغرافيا الفيلم ألوانها منها و خصوصاً في المنزل المستـأجر ,  الغرفة التي تعني في الفيلم , كل التغيير , كل العزلة , و كل الثورة , كل الانتقام , الولادة الجديدة ,  الرحم , العمل مع بيرتولوتشي بالنسبة لستورارو كان يمثل المرحلة الأهم من مسيرته كمدير تصوير , و يصفها بأنها المرحلة الأكثر براءةً و نمواً و إكتشافاً ,  التعاون الذي ترك اثره على كل لون و كل ظل و كل ضوء في الفيلم.

شخصيات بيرتولوتشي قادرة ليس فقط على تجسيد انفسها و أفكارها بالمعنى الضيق , بل تستطيع أن تجسد أفكار الجيل , رمزية باريس , الحاجة لرؤية المنظور الواسع للمفاهيم , فما يعرض على الشاشة هي إحالات و اشارات اكثر منها شخصيات و قصص , براندو زوج مخدوع تمت خيانته , شنايدر فتاة تستعد لزواج تقليدي تنتظر من اجله فستان العرس الابيض , ما الذي يجمع شخصيتين بهذا التناقض في مكان كهذا و في لحظة تحول حاسمة في حياتهما (انفصال \ ارتباط) ، الصدفة هنا تعني نقطة إلتقاءٍ تاريخية بين فكرين , و بين جيلين ,  و حتى بين ثقافتين ، يقول بيرتولوتشي أن لقاء الرجل بالمرأة ، هو بمثابة لقاء بين ثقافتين ، و بما أن كل ثقافة تتعارض مع الثقافة الأخرى بالضرورة ، يغرم العاشقان بعضهما ببعض ، يغرمان ببعضهما فقط لأنهما مختلفين ، و كما يقول ايضاً التناقض يولد الحياة في السينما .

تواصلت شخصيتا بيرتولوتشي بالطريقة التي تستطيع فيها الثقافات أن تتلاقى ,  بالذاكرة , بالخبرة الحياتية , و الجنس كان وسيلة التواصل الأكثر انسانية , بيرتولوتشي استخدم الجنس في تكثيف هذا اللقاء , لتعزيز فكرة الاستسلام للقاء , لحرارة اللقاء و لفضول الاكتشاف , العلاقة الجنسية كانت تتطور مع تكرار اللقاءات في البيت المعزول , بدأ يتحول لحاجة ، لطريقة للسيطرة وللتأثير بين الشخصيتين , لتصوير قدرة شخصية براندو الحرة المهزومة من الماضي , ان تمتلك شخصية شنايدر المقبلة على الحياة , الحياة التي تتكرر فيها التجارب , و يتكرر فشلها , و يتكرر الانهزام , و كأن براندو هو انعكاس مستقبلي لشنايدر.

بيرتولوتشي يرى في الجنس - بالشكل الذي صوره – و كما رأيته تحرراً من الماضي بالنسبة لبراندو و اكتشاف المستقبل بالنسبة لشنايدر , الجنس في الفلم وسيلة براندو لتوقف التواصل مع الشيء الذي لا يريد له أن يعود و قطع صلاته به , الماضي بما فيه من خيانة زوجية أو أي عائق آخر ,  و هو رفض أن يكون في غرفته المعزولة أي علاماتٍ دلالية كالأسماء , و هذا يبدو واضحاً من غضبه حينما تصر على ذكر اسمها أو معرفة اسمه ، حتى حديثه عن طفولته , يعطي انطباع أن ما نشاهده قد يكون صحيحاً بنفس النسبة التي قد لا يكون فيها صحيحاً ,  علاقته مع هذه الفتاة كانت على النقيض من علاقتها التقليدية الغير حية مع المخرج ,  وجوده الدائم في مشاهد خارجية دوما نرى فيها اشارة سلبية للشخصية ذات نفسها الباحثة عن عالمها الخاص في مكان آخر , في قلة اهتمامه و تركيزه عليها طالما وجدنا الغرفة المظلمة لها دلالة اخرى و تكثيفا لفكرة أن الحقيقة فقط تكمن في الغرفة المظلمة , الشيء الحقيقي الوحيد في هذا العالم المتهالك هو الجنس الذي لا يعني الارتباط ,  العلاقة التي لا تملي أي التزام بقدر ما هي وسيلة لاستحضار السبب الذي يجعل هذا المكان ملجأ أو مخبأ له قوانينه الخاصة و اسلوب حياة خاص (هذا افضل ما يمكن الحصول عليه , هذه العلاقة المجانية الغير تقليدية التي تكسر كل القواعد التي كانت مرسومة بعلاقته مع زوجته والتي انتهت بالخيانة) ,  علاقة براندو مع شنايدر لا يمكن ابداً ان تنتهي بخيانة ,  انتهت بالقتل ,  لأنها رفضت هذا العالم الغير مقيد , هذا ميل بشري ,  ان تتقيد ,  ان يجبر على إتباع قواعد و أسس ,  و ذكاء و حنكة بيرتولوتشي جعلته يختار رجلاً واضح عليه علامات التقدم في السن (براندو) و فتاة صغيرة لا تملك خبرة في الحياة (شنايدر) ,  خبرة براندو و تجاربه و خصوصاً مع زوجته ساعدت في أن يتحول لعيش حياة لا قيد فيها (القرار الوحيد الصائب في الفيلم القرار الوحيد المتخذ في المنزل المستأجر) ,  بينما ضعف خبرتها و صغر سنها دفعتها لقتل أول علاقة حقيقية في عالم مقيد (العلاقة الغير مقيدة) في إعادة صياغة للحقيقة و للخدعة ,  رقصة التانغو هي شكل من أشكال التواصل ,  كما الجنس , لكنه المشهد الأكثر تكثيفاً للحاجة لهذه النوعيات من العلاقات و لما تعنيه رمزيتها , الجنس كان وسيط , و ليس شيء نحكم فيه على طبيعة العلاقة ,  و لكي يُزيد بيرتولوتشي من مبررات براندو لكسر كل شيءٍ مقيد ,  وجدنا أنه في أحد المشاهد يجتمع مع الرجل الذي أقام علاقةً مع زوجته ,  كانا يرتديان ذات الثياب ,  الثياب كانت تعطي ايحاءً , بأن لا شيء جديد حصلت عليه الزوجة من خيانتها سوى الخيانة بحد ذاتها و أن الخيانة ستتكرر مع أي رجل , و أن أسلوب هذه المرأة في استجرار العلاقة و بناءها واحدٌ مع كل الرجال و هذا الامر لا يعني الشخصية بحد ذاتها , بل يعني علاقة الزواج بحد ذاته هو انكار او تعرية له ,  و كذلك ايضاً يمكن أن تكون كل علاقة مؤسساتية أو مبنية بهذه الطريقة , الزواج في الفيلم يمثل العقلية التي فقد بيرتولوتشي الثقة بها و في مشهد عظيم أمام جثتها ,  يخاطبها بنبرة الرجل الحزين لفقدانها و لكن بكلمات نابية , بشتائم ,  (واحد من اعظم المشاهد التي شاهدتها في حياتي) ، الرجل لا ينتقم منها , ينتقم من زواجه بها من الأساس ,  لأنه ارتبط بعلاقة قابلة للإنهيار ,  حزين على مشاعره التي منحها و التي لم تكن مجانية .

زواجه بها كان في أوتيل , بيرتولوتشي يرغب في أن يحقق قيمة رمزية كل تفاصيل الفيلم , و منها الاوتيل الذي جمع هذه العلاقة الزوجية , كما المنزل المستأجر حيث نشأت العلاقة بين براندو و شنايدر , كشيء مؤقت , الزواج كحالة مهددة بالإنهيار في أي لحظة , لكن الفارق بين العلاقتين , أن احدهما تفرض نوعاً من الإلتزام , و هو الشيء المعرض للخرق و التخلي , على مبدأ ان القوانين خُلقت كي تكسر و خصوصاً إن ساهمت في خلق نمط من الافكار و تكريسه و بدأت تظهر نتائجه السلبية , على شكل خيانة , على شكل استبداد و قمع ، و لكي يُظهر طبيعة أي علاقة قائمة على قواعد ما الذي من الممكن ان يكون مصيرها.

بينما علاقته مع شنايدر ، العلاقة الغير محضرة و الغير مهيأة , لم تكن تعطي وعوداً , غياب الخسارة مهما كانت النتائج ، و هي العلاقة التي جاهد براندو لإبقاءها حية بالشكل التي نشأت فيه ، بينما شنايدر ,  قتلتها ,  و لكن بيرتولوتشي أنهاها ربما بأكبر خسارةٍ ممكنة , و هي الموت , بيرتولوتشي يرى في التحرر من القيود شيئاً ليس من السهل التأقلم معه , شيئاً يعاكس ما تأقلم عليه الانسان في كل العصور و كل الازمنة , رضوخ الانسان للقوانين حولته بمساعدة الزمن لكائن معرض للإحساس بالضعف بغيابها ,  تجذرت هذه التبعية في الطبيعة الانسانية , و كل ثورة على هذه المفاهيم ستُسرق , من قبل واضعي القيود الجدد الذين سيستغلون نفس النوعية من الضعف التي شعرت بها شنايدر من خلال علاقتها ببراندو , كل فكرة لن تجد طريقها للتطبيق إلا بتقييدها , نظرة بيرتولوتشي الثورية , للثورة ذات نفسها متشائمة , وشخصيته التي أرادت استعادة حريتها , أو التي ارادت اعادة التقييم لحياتها , ايجابيتها تكمن من سلبية رضوخها في الماضي , و نهايتها اتت من ايجابية التحرر , يبدو الامر كالإنبعاث من الموت , إيجابية تولد من السلبية , و في ايجابية الوضع الجديد المتحرر سلبية عدم القدرة على تعميمها , الشخصية الفردية و الافكار الفردية يجب أن تكون شخصية , و هذه الافكار لا تنمو إلا في مناخٍ من التبعية و الافكار المجتمعية و الموروثات التي تحد من كل الحريات و من كل الطموحات للتحرر من السيطرة حتى و إن كانت بشكل غير مباشر.

أفكار الفلم كانت تنمو في فترةٍ ذات دلالاتٍ سياسيةٍ احتضنتها باريس ,  لها علاقة بالثورة الطلابية في فرنسا عام 1968 ,  و كيف ثار الشباب المنتمين للحركة الإناركية (المتمردة على القواعد) على النظام البوليسي (القائم على القواعد الصارمة) كعلاقة زواج براندو ,  علاقته مع شنايدر ,  و موت براندو كانت دلالة على سرقة الثورة من قبل الطبقة البرجوازية في فرنسا ,  و موتها , هو الامر الذي صوره فيليب غاريل بفيلمه عام 2005 ، و فيه أيضاً اشارة لعدم قدرة هذه الافكار الفردية على التحكم و السيطرة و إلا فأنها ستناقض السبب الذي ثارت من أجل التخلص منه , في هذا التناقض يبدو مشكلة اخلاقية بحد ذاتها , و هي أن الفكر المتحرر والذي لديه القدرة على تكريس فردية هذا الفكر مؤقتة , غير قادرة على الحياة إلا على شكل تمرد , السيطرة تقتلها , تجردها من قيمتها.

من الممكن أن يكون بيرتولوتشي و أستاذه بازوليني لديهما أسلوبٌ جريءٌ في طرح افكارهما , جريء لدرجة الوقاحة ,  لكنهما من أكثر ما قدمته السينما الايطالية و السينما العالمية تعبيراً عن الحدود التي قد يصل لها الانسان , من أكثر المخرجين انسانية , و كرهاً للقبح و للاستغلال و ربما للإباحية , تقديم بيرتولوتشي للجنس بهذه الطريقة كان بالمعنى الإنساني الأكثر شاعرية هذا الفعل و قدرته على مد الجسور بين شخصيات هذه السينما , و خصوصاً الجسور التي تُبنى على شعورٍ غامضٍ و غير مفهوم , الجنس هو الطريقة للحصول على الاتزان في المشاعر على عكس أستاذه بازوليني الذي غالباً ما كان يستعمل أسلوباً وُصف بالنثر السينمائي الذي يعمل على الرؤية المعاكسة ، فالنفور من مشاهده الجريئة مقصود , هو خلق هذه المشاهد بهذه الطريقة كي ينال من المشاهد ردة الفعل هذه ، و هنا يبرز قدرة المخرجين الكبيرة على مخاطبة كل حواس مشاهديهما و هذه غاية كل مخرج ,  كل فنان , أن يمنح المتلقي ذات المشاعر التي ولد الفن بسببها , سواءً كانت مشاعر عدائية او جمالية.