الثلاثاء، 6 مايو، 2014

Rope

كتب : محمد المصري

التقييم : 4.5/5

بطولة : جيمس ستيوارت ، فيرلي غارنغر ، جون دال
إخراج : ألفريد هيتشكوك (1948)

(أعتقد أن هذا الفيلم يمثل شيئاً هاماً جداً بالنسبة للحياة المهنية لسينمائي ومسيرته، فهو تحقيق لحلمٍ يداعب كل مخرج في لحظة من حياته، حلم أن يربط الأشياءِ ببعضها، بقصدِ أن تقتصر الحصيلة على حركةٍ واحدة فقط) .. فرانسوا تروفو  واصفاً فيلم  Rope.


على الرغم من أن (هيتش) نفسه لا يُحب هذا الفيلم ، يعتقد أن هناك شيئاً من المُراهقة في إخراجه دون قطع ، و تحدّي تِقني وضعه أمامه ، في حين أن هناك بعض التفاصيل كانت لتصبح أفضل لو أُتيح له التقطيع ، إلا أن هذا الكلام فارغٌ بالفعل ، هذا واحدٌ من أهم تجارب السينما ، و الصورة (الأوضح) لما ذكرته في ريفيو Notorious عن أن الجميع كانوا يمشون على الأرض و هيتشكوك يَطيرُ في السماء.

قبل ما يزيد عن الخمسين عاماً من خروج Russian Ark للنور ، فكَّر هيتشكوك في تقديمِ فيلمٍ يحكي من خلاله حكاية مُتَّصلة دون قَطع أو استخدام للمونتاج ، مُستنداً في تلك اللحظة على الثقة التي يوليه إياها المنتجون من أجل تحقيق شيءٍ ثوريٍ كهذا ، اختار نصاً مسرحياً مثالياً ، تدور أحداثه خلال الزمن الحقيقي ، عن مراهقين يرتكبان جريمة قتل لصديقهم ، يضعون الجثة في تابوتٍ ، و التابوت في مُنتصف البيت الذي يُقام فيه حفلٌ كبيرٌ دعوا إليه والد و والدة و حبيبة زميلهم المقتول ، و الأهم : مدرّس الفلسفة روبرت كاديل الذي سيكون تشككه في كل شيء هو التحدي الأكبر الذين يريدون مواجهته و تجاوزه لتحقيق فكرتهم عن الجريمة الكاملة.

الفيلم جَميل ، حتى على مستوى النَّص ، بفضلِ ذلك التجريد العظيم في الدوافع ، و القدرة على خلق بطلين بسماتٍ مُضطربة واضحة ، يرتكبون جريمة فقط لـ(تجربة شعور القتل) ، و يدعون الجميع (كفنانٍ يحتفل بعمله) ، ومن ضمنهم كاديل لأنه (كلما زاد التحدي زادت المُتعة) ، قبل أن ترتفع قيمة كل هذا في الحوار العظيم الذي يُختتم به الفيلم عن القيمة المُجرَّدة للحياة ، (بأي حق جرؤت على قتلِ هذا الفتى بحجة أنه لا يستحق العَيش ؟ ، هل تظن أنك (الله) ؟) ، النص بارع جداً في حواراته ، خصوصاً في مراحله الختامية الأكثر تصادماً ، و أداء جيمس ستيوارت الذي يُثْقِله بشدة كلما احْتدّت الأحداث.

و رغم ذلك فإن القيمة الحقيقة للفيلم هي ثوريته الشديدة ، و التي لم يقترب منها أحد لعقودٍ و عقود بعدها ، التنفيذ دون قطع ، و التغلُّب على سعة الفيلم الخام ، الذي لا يحمل أكثر من أربعة دقائق و نصف ، عن طريق وقوف ممثل ذو بدلة داكنة في نهاية كل لقطة أمام الكاميرا كي يسمح بالقَطع دون أن يظهر .

مَصنع النمل شديد الدقة الذي خلقه هيتشكوك خلال أيام التصوير كان يستحق المُشاهدة ، أرقام مُدونة على الأرض لتحديد حركة الممثلين ، حوائط أستوديو قابلة للحركة  دون صوت كي تسهل مرور الكاميرا ، عمال الإضاءة الذين يعملون على تغيير الأوقات بين (النهار) ، (الغروب) ، ثم (الليل) أثناء التصوير ، اختراع (دولي) و (شاريوه) بشكلٍ مُخصص للفيلم كي يستطيع التحرُّك بطولِ الشقة ، تسجيل الصوت مباشرةً أثناء التنفيذ ، و وضع ميكروفون على ارتفاع ستة طوابق لالتقاطِ جَلبَة الشارع بصورة واقعية ، و أهمية كل هذا في فيلمٍ عن (التورُّط) ، و تدور أحداثه (خلال الزمن الحقيقي) ، شيء رائع و مُدهش أن يكون أحد الأشخاص يُفكَّر في السينما بهذا الشكل خلال وقت كلاسيكي جداً كالأربعينات.

إلى جانب كل ذلك ، ثورية التجربة ، عَظَمة النص ، هناك قدرة (سيد الإثارة) نفسه ، و التوتر الذي يُحب ضخّه ، و يحدث هنا حين يحتفظ بجثةٍ في مُنتصف بيت مُتسع و يتحرك الجميع حولها و هم لا يعلمون ، شاهد مثلاً تلك اللقطة العظيمة التي يجعل فيها هيتش التابوت في مُقدمة الكادر و يملأ نصفه ، نستمع فقط لصوتِ الممثلين ، و نرى السيدة ويلسون و هي تقوم بحملِ الأشياء من فوق التابوت ، تذهب لآخر الشقة ، تعود و ترفع المَفرش من عليه ، تذهب لآخر نقطة لتحضر الكُتب ، و تعود و تستعد لفتحه ، الكادر يستمر بهذا التكوين لدقيقتين ، و هيتشكوك يقول لنا بالصورة أن تلك هي النقطة الوحيدة التي يجب أن ننظر إليها الآن ، و يجذب الوَتَر حتى النهاية بذهاب السيدة ويلسون و مجيئها بشكلٍ مُتتابع ، و المُشاهد واقع تحت أثر اللحظة ، مَضغوط بشدة من أن جريمة قتل ستُكْتَشف الآن.

هذا فيلمٌ عظيمٌ بالفعل ، (ملامسة حِلم كل مخرج) كما يقول تروفو ، و مُحاولة استكشاف مُستمرة مارسها هيتشكوك طوال مسيرته عن المدى الذي يُمكن أن تصل إليه السينما ، في حفنة من الأفلام استطاع أن يصل بعيداً جداً ، Rope هو واحد من أهمها.