الاثنين، 19 مايو، 2014

Ida

كتب : مصطفى فلاح

التقييم : 4.5/5

بطولة : أغاتا كلويشا ، يوانا كوليغ ، يرجي تريلا
إخراج : بافل بافليكوفسكي (2014)

البولنديون في السينما هم فقط من يجيد التحدث عن بولندا , البلد الذي أشعل شرارة الحرب العالمية لينكوي بنيرانها, بولندا ما بعد الحرب مُمزقة , مُتشرذمة , مصبوغة بأحمر الدم كما وثقّها فايدا , البولندي الكبير , في ملحمته مُرشحة الأوسكار Katyn ، قاطنوها (أكثر من 3 ملايين يهودي) وضعوا تحت المقصلة , من نجا تمنى لو أنه لم يكن , و من فرّ ، لم يترك ورائه أثر !

عند الحديث عن هذا البلد الأوربي , يكون المُحيط هو البطل دائماً و الشخصيات ثانوية , فالمخرج يخشى (أو ربما يدرك) أنه لو أقترب كثيراً من الشخصيات التي لديه لأضطر المشاهد لإهمال ذلك المحيط  ، و هذا ما لا يريده !

(أيدا) اليهودية راهبة في دير , لم تكن تعرف ذلك , ولدت مسيحية , أو هذا ما كانت تعتقد ! ، لم تكن على دراية بوجود أقربائها أو على مقدرة الأتصال بهم , لم تبحث عن ماضيها كثيراً , تخشى الخروج , ظناً منها أن بولندا سجن كبير لقاطنيها , مساحة الحرية التي تجدها في الدير ، تكفيها ! ، و هذا ما لم يدم طويلاً بعد زيارة مفاجئة من عمتها في محاولة لطي صفحات الماضي من جديد ، جمالية النص في أنه لا يتعامل مع هذا الحدث المُفاجئ هذا كركن أساسي , لا ننتظر منه فكّ رموزه و حلّ أحجياته , لا نُراقب شخصياته المحدودة لأن حدثاً مهماً سيضرب حياتهم , بل لفهم الحياة التي يعيشونها ، و القرارات التي سيتخذونها !

حال أعماله الماضية , يوجه بافيلكوفسكي أصبع الأتهام للمُجتمع دون الفرد , يُلغي الروابط التي من الممكن أن تُلزمه أتباع التقاليد , يُقدم ما يُريد بالطريقة التي يريد ؛ رؤيته الأخراجية لا تقل في قيمتها عن النص الذي شارك في كتابته , تدعمه كثيراً و تتعامل معه بشكل مُكثف , يطوعها في التأمل في روحية و نُسكية راهبة الدير كما فعل من قبله روبير بريسون مع كاهن المدينة في رائعته  Diary of a Country Priest ، فبالرغم من الإيقاع البطئ و المدة القصيرة نسبياً للسرد , لا أعتقد أن عمله يحيد قيد أنملة عمّا أبتغاه له .

فلم بافيلكوفسكي الأخير ليس كلاسيكية بالضرورة , لكنه أحد تلك الأعمال التي تُجبر عاشق السينما على أحترام نصها و أمتياز مُخرجه في التعامل معه , كما أنه من الأعمال المُعاصرة القليلة التي تجد لها سبباً في أستخدام اللونين الأبيض و الأسود و قصر الشاشة بهما , كما هي مُعالجة هانيكه لمجتمع ما قبل الحرب الأولى في The White Ribbon ، و العتمة التي تحيط بشخصيات بيلا تار أنصاف العقود , دلالة الشخصيات التي تم كيّها من قبل الأقدار و ظروف الحياة بحيث لم تعد تتحدث ناهيك أن تشعر , كون أي لون آخر سيوحي بالأمل ، و هذا ما لا يريده مخرجنا هنا ، أيضاً !