الاثنين، 28 أبريل، 2014

Notorious

كتب : محمد المصري

التقييم : 4.5/5

بطولة : كاري غرانت ، إنغريد بيرغمان ، كلاود رينز
إخراج : ألفريد هيتشكوك (1946)

في ظاهِر هذا الفيلم ، هُناك قصة بسيطة جداً عن رجلين يحبان المرأة ذاتها ، وفي جوهره ، هُناك ألفريد هيتشكوك الذي جعله من كلاسيكيات السينما ، بواحدٍ من أعظم مُنجزاته الإخراجيَّة.

القصة تدور بالأساس عن ثنائية (الحب والواجب) ، ولكن الشيء العظيم حقاً من ناحية سيناريو الفيلم هو الطريقة التي تعامل بها مع مثلث الحب الذي يحكي عنه ، (دلفين) عميل المخابرات الذي يقع في حب عميلته (أليسيا) ، أليسيا التي تكتشف أن مهمتها هي التجسس على مجموعة نازيين أثناء الحرب اعتماداً على أن أحد أفرادها يحبها ، و هذا التناقض الذي يقع فيه الطرفين بين (حبهما) من ناحية ، و (واجبهم) من ناحيةٍ أخرى ، و أخيراً أقوى أطراف المثلث بشكلٍ أو بآخر : (ألكس) النازي المُحِب بشدة ، و الذي يطلب منها الزواج.

أكثر ما قدرته في النَّص هو أن الشخص الشرير – نظرياً - هو الشخص المخلص أمامنا على الشاشة ، الذي لم يرتكب أي خطأ ، هو أحب أليسيا ، تزوجها ، و خدعته ، في أوقاتٍ كثيرة يبدو هذا هو الشيء الوحيد الهام لنا ، و تكوين الأمر بتلك الصورة ، خصوصاً مع عمق شخصية أليكس بالنسبة لشخصية دلفين ، يمنح  الحكاية ثقلها الأكبر ، هيتشكوك - كعادة كل أفلامه - أكثر تماهياً مع الشخص المنبوذ ، المُضطهد ، و في علاقة أليكس بأمه ، مشاعر الوَحْشَة التي تناله ، الطريقة التي يَغْضَب بها و يحاول الانتقام ، بل و مشاعر المُشاهد نَحوه ، هناك شيءٌ (هيتشكوكيٌ) جداً ، حاد و عميق و مُقلق ، و سابق لزمنه كثيراً.

الجانب الآخر من عظمة الفيلم سينمائي بَحت ، لا أحب أول نُصف ساعة هنا ، هيتشكوك ليس جيداً في التمهيد للحكايات ، و لكن ما أن يبدأ الشيء المُهم فعلاً ، يقدم إنجازاً استثنائياً في التصوير و المونتاج و الإمساك بالإيقاع ، الطريقة التي يقطَّع بها ، مثلاً ، مشهد سرقة أليسيا للمفتاح بأكثر الأشكال الموترة المحتملة ، يمد الزمن كي يُزيد الضغط ، قبل أن يتبعه بواحدة من أشهر لقطات السينما ، عارضاً الحفلة بلقطة رأسية قبل أن تقترب الكاميرا ببطء حتى تصل لـ(الشيء الأصغر و الأكثر أهمية في المكان) بيد أليسيا .

مشهد الحفلة بعدها هو من أجمل المشاهد التي شاهدتها في حياتي ، يستمر لعشرة دقائق ، يتحكم هيتشكوك  فيه بكل طرفة عين ، محدداً أماكن الإثارة : الشامبانيا التي اقتربت من النفاذ ، دلفين و أليسيا في القبو يستكشفون ، و أليكس في طريقه إلى هناك ، مونتاج عظيم جداً وضغط شديد على المُشاهد حتى النهاية .

و رغم استثنائية مشهد الحفلة فإن الفيلم لا تِقِل وَتيرة الإثارة والضغط فيه أبداً ، مشهد أليكس العظيم مع أمه ، زوايا التصوير و نقاط النور و الظّل على وجهه التي تظهره بهذا الانكماش والضعف ، ثم الطريقة ، المختلفة جداً عن أي مما قدمته السينما حينها ، لقتل أليسيا ببطء ، متابعة المشاهد ذلك و قدرة هيتشكوك على جعلنا ، في كل لحظة ، نتمنى إمساك فنجان القهوة و منعها من شربه ، كُل كادر و كل قَطعة و كل لَحظة سينمائية تكون فاتنة فعلاً و تستحق حديثاً مفصلاً عنها ، أفكر في أن المخرجين ، كل المخرجين ، في ذلك الوقت كانوا يسيرون على الأرض ، و (هيتشكوك) ، وحده ، يَطير في السماء.

و لأنه ، مخرجاً و فيلماً ، بهذا القدر من العَظَمة ، فإنه ينتهي بصورة غير مُعتادة ، بواحدة من نهايات الأفلام المُفضَّلة لي على الإطلاق : يَصعد دلفين إلى غرفة أليسيا ، يسندها ، ينزل بها السلالم ، و يخرج بها من عِش الدبابير ، يعود أليكس للبيت بخطواتٍ ميّتة ورَتيبة ، يُغلق الباب ، و نَنْتَهِي ، ألف رَحْمَة و نور يا (هيتش).