الأربعاء، 16 أبريل، 2014

Landscape in the Mist

كتب : محمد السجيني

التقييم : 5/5

بطولة : تانيا بالايوغولو ، ميكاليس زيكه
إخراج : ثيو أنجيوبولوس (1988)

"انجيوبوليس يرصُد الأشياء في هُدوء من خلال عدسَاته ، وثقل هدوئه وقوّة نظرته وثباتها هو ما يمنح افلامه قوّتها" - اكيرا كيروساوا مُتحدّثاً عن ثيو انجيوبوليس .

في السبعينات ، ظهر انجيوبوليس ، وجعلنا نتسَاءل ، كيف العالم حولنا ؟ وكيف العالم بداخلنا ؟ تحدَّث عن المَوت والذاكرة والغُربَة والفن ، رُبّما لا يكون الرجُل مشهوراً وسط هيمنة ايقاع هوليوود السريع وحبكاتها المُوجّهة ، لكنّي اعتبره واحد من أكثر المُخرجين أصالة ، لأن افلامه تمزج الحداثة بالكلاسيكيّة ، ولأن افلامه تقف علي الخط الفاصل بين الواقعيّة والسيرياليّة ، والأهم ، لأن الرجُل في افلامه لم يدّعِ يومًا انّه يملك الحقيقة الكاملة .

في فيلمه الثامن - الحاصل علي جائزة افضل فيلم اوروبي لعام 1988 وجوائز النقاد العالميين والجائزة الكُبري وجائزة افضل مُخرج في مهرجان فينيسيا في العام ذاته - يعرض لنا انجيوبوليس قصّة طفلة في الحادية عشرة من عمرها تُدعي فاولا مع اخيها الأصغر الكسندر يقرّران السفر لألمانيا للبحث عن الأب الراحِل عنهما ، بدون أي معلومات عن الأب سوي خيالات واحلام تنتاب الطفل الصغير ، الى الآن القصّة تقليديّة ، لكن انجيوبوليس لا يعرض قصّة البحث فقط ، ولا ينهيها ، نحن لا نعلم بالأساس هل هناك أب أم لا ، ولا نعلم هل الابناء شرعيين ام لا ، كُلّها امور تختفي في الباطن ويطفو مكانها علي السَطح ما هو أهم ، الحياة بكاملها هُنا ، زوجة تهرب ليلة عُرسها ، تُنتشل من البحر ، نحن لا نستطيع التأويل او التصديق ، فقط نُشاهد ونتساءل ، وهذا ما يُريده الرجُل من افلامه  .

في العُمق ، يعرض العمل قصّة طفلين يتعلّمان كيفيّة رؤية الأشياء ، يُشاهدان الجمال والتدمير ، والحُب والمَوت ، والاكذوبة والحقيقة ، والأهم انّه يجعل المُشاهد هو المُرافق الثالث لهما في الرحلة ، ولا يقع في فخ الابتذال العاطفي ، و هو أمر يستحق التقدير لو وضعنا في الاعتبار ان الفيلم يُقدَّم من وجهة نظر طفلين ، و كعادة الرجُل يستخدم مشاهد طويلة وايقاعاً بطيئاً ، ينقل كاميراه بحذر ويصوّر ضبابيّة الحياة ، مع موسيقي عظيمة من ايليني كاريندرو تبدُو كأنّها جُزء لا يتجزأ من نسيج الفيلم  .

فيلم انجيوبوليس هذا هو فيلم عن الضوء الذي نبحث عنه دومًا رغم علمنا انّه ربّما لا يكون موجوداً ، فيلم عنّا بكُل ما فينا من البراءة الأولي ومن ثمَّ المرور بلحظات الشك ، عن قرارات الرحيل وتداعياتها علينا ، عن الحُب الطفُولي والعاطفة المفقودَة ، عن عُذريَّة التهمتها وحوش في رداء بشر ، عن الحياة وتفاصيلها ، تلك التي اذا ما تيقنّا اننا توصّلنا اخيراً الي فهمها ، ادارت الينا وجهًا جديداً ، ليسخر منّا ، بعد مُشاهدتي الثالثة لهذا الفيلم ، هذا واحد من أعظم ما شاهدت علي الاطلاق .