الأحد، 23 مارس، 2014

Uzak

كتبت : فاطمة توفيق

التقييم : 4.5/5

بطولة : محمد أمين توبراك ، إيبرو جيلان
إخراج : نوري بيلجي جيلان (2002)

طوال مدة مشاهدة الفيلم كان يطاردني عنوانه ، (بعيداً عن) ، فالفيلم قائم على المسافات ، على البُعد ، منذ بدايته و نحن نشاهد يوسف يسير مبتعداً عن قريته ، ويرغب في البُعد أكثر بالعمل على باخرة سياحية تلف به العالم ، ثم على مدار الفيلم في إطار عام قاتم وثقيل نتعرف على محمود الذي ابتعد عن نفسه و فنه و حبه للتصوير ورغبته في صنع أفلام كتاركوفسكي إلا أنه يستبدل كل ذلك بتصوير الاعلانات التجارية ، ويستبدل فيلماً يشاهده لتاركوفسكي بفيلم إباحي ، شقته ممتلئة بالفن وبمقطوعات باخ الكثيرة التي سأله عنها يوسف ، إلا أننا طوال الفيلم لم نشاهده ولو لمرة يستمع إليها وإنما يقضي وقته كله بملء فراغ روحه بممارسة الجنس أو مشاهدته .

في بداية ظهور محمود في الفيلم نجده يضع علب أفلام التصوير بجانب طعامه وينظر إليها وهو يأكل وكأنه يهون على روحه ما يفعل ، يقتل ما فيها مما تبقى من حبه للفن ويخبرها بأن هذا النوع من التصوير هو المسؤول عن طعامه الآن ، نشاهد البُعد بين يوسف الساذج القادم من القرية ومحمود ساكن المدينة التي جفّت روحه وهما يعيشان في نفس الشقة ، البُعد في الطباع وفي حرص محمود على الحفاظ على المسافة التي يصنعها لنفسه ، ثم البُعد الذي يظهر بشكل ضاغط وثقيل مع تقدم الفيلم مع رفض محمود لوجود يوسف وتحت وطأة كل ما يواجهه كلاهما ، و نوري جيلان لا يكتفي بإظهار ذلك من خلال الأحداث ، وإنما أيضاً من خلال طريقته الهادئة الرمزية الشعرية في الصورة ، أكثر من مرة نشاهد يوسف و محمود يقفان وبينهما الحاجز الزجاجي للشرفة أو المكتب ، أو حركة كلاهما سوياً في الشقة وبينهما تنافر واضح وكأنهما في مطاردة .

رحلة التصوير التي يقوم بها محمود مع يوسف ليجعلها حجة يقدم له المال من خلالها - وهي المرة الوحيدة طوال الفيلم التي نشاهد محمود فيها يقوم بتصوير شيء فني - خلال الرحلة نرى سرعة تخلي محمود عن فنه وعن تحقيق أحلامه فيه حينما يشاهد زاوية مثالية للتصوير أمام بحيرة إلا أنه وخلال فقط الثواني التي يسأله فيها يوسف أين يضع حامل التصوير يتخلى محمود عن الأمر ويقول أنه لا داعي من ذلك ويتحرك بسيارته سريعاً ، أيضاً يتجلى اهتمام نوري جيلان بالتفاصيل في اختيار سيارة يوسف تلك الصغيرة الحديثة السريعة التي تشبهه وتشبه حياته في اقتصارها على ذاته وعدم رغبته في الآخرين ، وأيضاً في ملابس محمود التي لا تتغير كثيراً ، الثقيلة المتعددة الطبقات الغامقة دوماً .

وفي إطار البحث عن ماضي محمود وعن سبب تحوله هكذا تظهر زوجته التي نعرف من حوارهما أنه رفض إنجاب طفل منها وكان سبباً في إجهاضها ، وبرعت الممثلة التي أدت دور الزوجة في التعبير بملامح وجهها عن مشاعرها المضطربة الممتلئة بالألم داخلها ، وحرص محمود فقط في الحوار معها عن نفي مسؤوليته عن عدم قدرتها على الانجاب الآن ، يظل يسأل ويكرر السؤال ولا يقطع الأمل عن كونه عدم المسؤول عن ذلك .

ظهور المرأة في الفيلم كان ذو مدلول قوي ، المرأة التي يقترب منها محمود ولا يرفضها هي التي يمارس معها الجنس أو يشاهدها في الأفلام الاباحية أو عروض الأزياء التي تقتل من روحها وتختزلها فقط في جسد يعرض ما ترتديه ، إلا أنه يبتعد عن أي حضور إنساني للمرأة يقترب من روحه كزوجته السابقة ، وأمه ، وحتى المرأة التي تخون زوجها معه ، يبتعد عنها ويعجز عن إرضائها حينما يلتقيها بعد ذلك ، وحتى في المكالمة الأخيرة مع زوجته السابقة تنتهي بشكل مقصوف غير مكتمل ويفشل هو حتى في التصوير من بعدها ، تبتعد عنه البيضة الرخامية التي يريد تصويرها وهو يتركها تبتعد وينظر إليها من بعيد ككل حياته التي تركها تفلت من بين يديه .

في المشاهد الختامية للفيلم نُشاهد البُعد أيضاً بين روحي يوسف و محمود في تعامل كل منهما مع الفأر الذي يسكن شقة محمود وكيفية التخلص منه ، ثم نشاهد القرب غير المتوقع بين محمود و يوسف بعدما ابتعد يوسف عنه من خلال سجائر يوسف التي لا يجد غيرها محمود لتؤنس وحدته وهو يشاهد البحر .

نوري جيلان من القلائل الذين ينقلون ما يحدث بلغة شعرية يملؤها الصمت بدون مبالغة أو تفلسف زائد على مشاهديه ، تجد في عوالمه الكثير من التشابه مع عوالم تاركوفسكي و كيشلوفسكي إلا أنه يحتفظ بروحه الخاصة وذوقه الحساس الدقيق في صناعة أفلامه .