الاثنين، 31 مارس، 2014

Ten

كتبت : فاطمة توفيق

التقييم : 5/5

بطولة : مانيا أكبري ، أمين ماهر
إخراج : عباس كياروستامي (2002)

عباس كياروستامي المتفرد المتميز دوماً ، هذه المرة في تجربة جديدة تماماً ، كاميرا مثبتة بداخل السيارة وتنقل حوارات سائقتها مع مرافقيها في عشر مشاهد مختلفة تستطيع أن تعتبر كلاً منهم فيلماً قصيراً في حد ذاته ، مرات مع ابنها ومرات مع امرأة تعرفت عليها في ضريح ، ومرة مع أختها ، ومرة مع صديقتها ، ومرة مع سيدة عجوز أقلتها لتوصلها ، ومرة مع بائعة هوى ركبت السيارة بالخطأ معتقدة أن قائدها رجُل .

الحوار واقعي جداً، ذكي في تلقائيته كعادة كياروستامي ، يسرقك معه في رحلة تأملية طويلة لا تنتهي بانتهاء الفيلم ، وكما عودنا كياروستامي فليس هناك أي من المشاركين فيه ممثلين محترفين ، كنت قرأت عن الفيلم من سنة تقريباً ولم أتوقع أنه بهذه المتعة ، يقول كياروستامي أنه لم يعطِ لأي من المشاركين فيه أية تعليمات وأنه لم يقُم بدور المخرج كما هو معتاد وإنما عرّف كلاً منهم الإطار الرئيسي لكل مقطع وهم بنوا السيناريو بارتجالهم بشكل تراكمي ، وربما كان هذا سر متعته ، انت لا تعرف ولا تستطيع أن تتوقع ما سيُقال من فرط الواقعية والتلقائية ، وحتى في مشاهد الصمت – توقيتها و مدتها - الأكثر بلاغة وبراعة من الحوار نفسه.

والمرأة قائدة السيارة ليست امراة تقليدية ، وإنما فنانة ، ترسم وتلتقط الصور - وهي فعلاً هكذا خارج الفيلم - وتؤمن بأن الانسان ليس ملكاً لأحد وإنما ملكاً لنفسه وللعالم ، وأن حياة المرأة لا يجب أن تعتمد بشكل كامل على الرجل وإنما يجب أن يكون لها آفاق أخرى واسعة في حياتها ، تبحث عن السلام الداخلي وعن حلول لمشكلاتها النابعة أساساً من أفكارها المختلفة وعدم انسجامها مع ممن حولها ، نجدها قوية جداً مؤمنة بأفكارها في أحيان ، ومنكسرة حزينة في أحيان أخرى ، وعلى الرغم من إن المرأة التي تؤدي الشخصية ليست ممثلة محترفة وإنما رسامة كما ذكرت إلا أنها برعت تماما في التعبير عما يدور بداخلها بملامح وجهها .

ومن خلال حوارها مع من يركبون معها يتعرض الحوار للكثير عن الحب وعن نظرة المجتمع للمرأة ، وعلاقة الانسان بالله ، والمساحات الموجودة بين الأشخاص وبعضهم في علاقاتهم ، عن القوانين التي تخص المرأة في إيران ، وعن نظرة المرأة لنفسها وتقديرها لذاتها ، وحقها في تقرير مصيرها.

ومن خلال معرفتي وقرءاتي لكياروستامي وعنه وجدت تشابه كبير بين أفكارها وأفكاره ، قد تكون هي النظير الأنثوي لأفكاره وإن لم يكن ذلك مقصوداً.

الفيلم قائم أيضاً على تقدير كياروستامي للانتقال بالسيارة ، للحرية التي تتيحها للحديث بين شخصين ينظر كلاهما للطريق ، للرحلة في ذاتها من خلال الطريق الذي يرمز للحياة عموماً ، نجد المرأة أحياناً وقد ضلت طريقها أو نجدها تلف في دوائر أو تعرف طريقها تماماً وتختار طرق تخالف ما يريده غيرها ، ابنها في الأساس ، ابنها هو الذكر الوحيد الذي يظهر في الفيلم بقوة ، ويمثل الكثير من النظرة الذكورية للمرأة في المجتمع كملكية تخصه لا يحق لها اختيار حياتها ، أما باقي الرجال يظهرون بشكل جانبي في الفيلم كقائدي السيارات المجاورة ممن يتشاجرون معها أو يمرون في سلام ، أو شرطي يحاول حل مشاكل الطريق ، من الممكن استقبال هذه الصور ببساطة أو على أنها رموز لعلاقة الرجل بالمرأة والأخذ والعطاء بينهما على مستوى الحياة بشكل عام .

الفيلم يُعرّفك أكثر على عوالم كياروستامي وقدرته على اكتشاف الجمال في مجالات غير متوقعة وكيف اكتسب مكانته المتفردة على مستوى العالم ، وقد كان الفيلم مرشحاً للسعفة الذهبية بمهرجان كان عام 2003 وتم اعتباره أحد أهم الأفلام في العديد من التصنيفات العالمية للسينما.

بعدما شاهدت الفيلم وبعدما كنت قد شاهدت لكياروستامي فيلمي Copie Conforme و Like Someone in Love  شعرت كم أنا مفتقدة كياروستامي إيران، صانع الأفلام النابعة من إيران ومعبرة عنها حتى وإن نجح في تجاربه خارجها.