الأربعاء، 20 مايو، 2015

ماء الفضة

كتب : فراس محمد

التقييم : 4.5/5

إخراج : أسامه محمد ، وئام سيماف بدرخان (2014)

بلغة سينمائية غير معهودة في السينما السورية والعربية بشكل عام , أسامة محمد المخرج السوري المقيم حاليا في فرنسا يدخل قاعة العرض في كان على هامش المهرجان , بذاتية لا تقل خصوصية عن اي من افلامه الاخرى , بصورة تستطيع إن أرادت ان تكون كالمخرز في عين المُشاهد , بشريط صوت يستطيع إن اراد ان يحفر بضجيج هادر في ذاكرة المتلقي , المتلقي في هذا الفلم لم يكن المُشاهد فحسب ، بل أسامة ايضا كان منهم , متلقي راوي , لحياة تلفظ كل الانفاس في مدينة حمص , المدينة التي شهدت خلال الاحداث الحاصلة في سوريا الكم الاكبر من التحولات , الكم الاخطر من المنعطفات , الحياة في هذه المدينة كان فيها من الصور ما ملئ موقع متل اليوتيوب الذي تحول بين يدي اسامة محمد لبحر من المواد الفلمية , استطاع بتوليفة عبقرية ان يبتكر آلية خاصة للسرد , في المدينة التي كانت تحتضر بصوت عالي , النفس الاخير كان على شكل فتاة وكاميرا محمولة , سيماف بدرخان الفتاة الكردية التي كانت عيني أسامة محمد على انقاض حمص .

التواصل الحادث بين سيماف وأسامة كان على شكل عصف ذهني غير مجرد من اي شيء , من اي اعتبار , انساني سياسي عسكري فكري حسي , تواصل شبيه بالحاصل بين الدماغ والعين في الجسد الواحد , رغم بُعد المسافة لم يكن لوسائل التواصل فائدة أكبر مما أنتجته في هذا الفلم . التواصل لم يكن الكترونيا بقدر ما كان اجباريا ككل شيء في هذه المدينة , التي تحول كل تفصيل فيها ضمن الكادر لذو معنى , مدينة تنهار , قطط مشوهة , أحصنة نافقة , انفجارات , دماء ، مترافق بصيغة بصرية مشوهة لا تقل تشوها عما نُشاهده في صورها انسانيا , الدقة التي عادة تكون عليها مقاطع اليوتيوب كانت عاملا مساعدا لأسامة محمد على نقل ضبابية المشهد و وحشيته , التراكيب البصرية والسمعية المستخدمة لا تقل تشويشا عما يحصل في هذه المدينة , الحياة في هذا الفلم تظهر بين فترة واخرى بشكل غريب يعطي دفق صادم من المشاعر , او الحسرة ربما , استخدام تقنية التضاد في المونتاج يصنع نوعا غريبا هو الآخر من الكوميديا السوداء المُبكية , كل شيء في هذا الفلم يُلمح لصلب فكري هائل يتمتع به مخرجه أسامة , وشغف لحمل الكاميرا تمتعت به (عيناه) سيماف ، وبدأت المسألة في بعض الفترات تتحول لمعضلة اخلاقية , ايهما اهم , الفلم أم الحياة , ايهما اكثر جدوى , الكاميرا التي تؤرشف ام العين التي تلتقط صور مهددة بالموت , ايهما أكثر قيمة , سيماف أم كاميرتها , وبعد فاصل من اشارات الاستفهام , اسامة يزاوج بين كل تلك المتناقضات , يترك للكاميرا ولسيماف ان تقرر , كما يترك اي مخرج لعينيه في موقع التصوير ان تحسم الخيارات .

الفلم الذي لاقى اصداء مهمة اثناء وما بعد العرض في كان , لم يكن يخاطب العاطفة فحسب , بل حاول أسامة ان يخاطب الضمير , ولو كانت وسيلة مخاطبته صارخة , الكاميرا تتحول لسكين بالنسبة للمُشاهد , والمخرج يتحول لجزار فيها , المُشاهد ضحية , الذُرى تراها في قدم قطة مقطوعة , في جملة تسبقها (ابي يبكي كالقطط) , في قطة اخرى تقع من مبنى عالي على ارض متروكة للحرب , لا تموت, تهرب ,  ربما اختصرت كل شيء , او بعض الشيء عبرت عنه في لقطة اخرى صنبور ماء ينقط على انقاض , ربما سؤال الفلم الاهم هو ان العين التي شاهدنا فيها هذا الفلم ، هل كانت عينان ارادت ان تلتقط الزوايا التي ارادت , ام انها كانت محكومة بزوايا خاصة من الصعب ان تخرج منها , وإن حصل وخرجت بحياء (كان نادراً في الفلم ولكنه مزعج) ما كان سيحدث ؟ ، هل سيقع جزءا من خطاب الضمير الذي اراد اسامة إلقاءه بطريقة شارلي شابلن بديكتاتوره العظيم , أم انه سيخفف نزيف الدماء , ربما ستختفي , الجواب لم يرغب أسامة في الوصول له او حتى طرحه كعلامة استفهام , الفلم لا يسمح لك خلال فترة مشاهدته بطرح الأسئلة , ولكن بعد الخروج من حالة الثمل التي يسببها قد تبرز بعض الأسئلة على السطح , ما كان سيحدث لو شاهد ذات المدينة بعين أخرى , بوجهة نظر أخرى ؟

بالمجمل الفلم صفعة او شوك كهربائي مستمر لمدة ساعة ونصف ونيف , أسامة رفض ان يستخدم ماكيير , رفض حتى ان يغطي العين , شريط الصوت العبقري الذي من الممكن اعتباره افضل شريط صوت تم تقديمه في السينما العربية عامة كان عينا آخرى على حمص , خصوصية المدينة كانت بيضة قبانه , لولا خصوصيتها ما كان فلم , ما كان بهذا الألم , ربما ما كان حدث ، ما اعرفه بعد الغوص في طينه , اني خرجت مرهق ومشوش , مصدوم ومطعون انسانيا , الفلم نال مني كل ما اراد الحصول عليه , بسخاء , وهو من تلك النوعية التي تزحف وتتسلق من القمة , وتضعك في الخانات التي لا ترغب في التواجد بها , تضعك على الحدود الانسانية التي لطالما ادعيت وجودك ضمنها , تلقيك في مستنقع انساني قذر لا تستطيع الخروج منه طاهرا روحيا وفكريا وعاطفيا , ولكنه فلم تطهيري , بكل المعاني , حتى التقني منه , الفلم يكسر كل ما وُضع في السينما من قواعد , يرميها في اقرب مكب نفايات , ويستعيض عنها بالشكل الذي يزاوج ما بين المدينة المهددة بالانقراض , والتقنية السينمائية التي يجب ألا تكون أساس صنع الفلم , يزاوج بين مدينة مشوهة ومقطع يوتيوب مشوه , وضمير مشوه , وحياة مشوهة , وقطط مشوهة , وأنفاس منقطعة ، عبر حديث على الفايسبوك , بين شخصين ما بينهما أقل بكثير من أن يكون محط أهتمام , وما جمعهما أكبر بكثير من مجرد فلم . تحول فيها الحديث لحقيقة للمرة الاولى أمام الكاميرا , لا يفصل بين الحقيقة والموت وما خلف الكاميرا إلا العدسة .