الأحد، 5 أبريل، 2015

Olive Kitteridge

كتب : ياسر ريحاوي

التقييم : 4/5

بطولة : فرانسيس مكدورماند ، ريتشارد جينكنز
إخراج : ليزا تشولدنكو (2014)

تعود ليزا تشولدنكو مخرجة الفيلم المميز The Kids Are All Right  بمحاولة جديدة للنظر إلى العلاقات الزوجية في خلفية اجتماعية إنسانية كوميدية لطيفة , هذه المرة تبدو المحاولة أكثر جرأةً وطموحاً وأكثر غنى بالتفاصيل لمجتمع وحياة كاملة نتنفس عبرها ونعيشها في أربع ساعات تنقلنا إلى نيو إينغلاند وتطوراتها التاريخية عبر عيون أوليف كيتريدج وهي إحدى مدرسات المنطقة وعلاقتها مع زوجها هنري , تتناوب الكوميديا والتراجيديا في حياتهما وترصدها ليزا بطريقة حياتية بسيطة تذكرنا بمايك لي وإن يبقى الأخير أكثر جرأةً وتميزاً في نبرته الشخصية .

أولي كما يناديها المقربون منها هي مثال المدرسة المتزمتة والمرأة الصارمة التي قد نخطئ في الحكم عليها دوماً في حياتنا , ليزا تعرف أن لكل إنسان جوانب مختلفة متناقضة معقدة وهدفها الأهم هو توسيع رؤيتنا وإضاعتنا عبر متاهة الحياة وألغاز نفوس البشر في لوحة متكاملة تتالى فيها الأحداث التي تبقى لنا الحرية في فهمها , فهي ترينا أوليف في انكسارها وخضوعها بعد لحظات التجبر والقسوة والسخرية التي تبرع في توجيهها لأقرب الناس لها , متشائمة دوماً وتحرص على نقل رؤيتها السلبية مع كل حادث يحدث لعائلتها أو لمدينتها , تاريخ عائلي من الأمراض النفسية والاكتئاب ورثته عن أبيها المنتحر لنراها في المشهد الأول متخذةً قرارها بإنهاء حياتها بالمصير ذاته , متعالية في إلقاء حكمها التي تظنها الحقيقة دوماً هي صفة أخرى تجعلنا نقف ضدها لتعود ليزا وتظهرها لنا روحاً تبحث عن الحب والتفاهم والانسجام والخير لعائلتها تبقى حبيسةً لطبيعتها الموروثة منذ ولادتها .

هنري في المقابل هو الزوج المحب الذي لا يبخل في عطاءه للجميع من بينهم شابة صغيرة فقدت زوجها وممرضة يلتقي بها في إحدى المواقف الصعبة , ترى أوليف أن تلك الطيبة ليست سوى غطاءاً لنزوات رجولية وأحلام مراهقة صبيانية فيما تعيش هي نفسها علاقة خارج الزواج تجعلها في خانة المتهم مجدداً , تتطور نيو إينغلاند وتتحول الصيدلية الصغيرة التي يملكها هنري إلى سلسلة تملكها شركة عملاقة تشتري حصته مع موجة المادية التي تطيح بالحياة البسيطة الجميلة التي نشاهدها في البداية , يصبح الأولاد أكثر تحرراً وجرأةً في وجه آباءهم ومدرسيهم , ويصبح الكبار أكثر وحدةً وتشاؤماً وحنيناً للماضي الذي لن يعود , أفكار و تجسيدات كثيرة تمر أمامنا , تراجيديا خسارة شخص طيب في حياة الأشخاص الطبيبين والمتفائلين قد تكون الأشد تمزيقاً لبعض المشاهدين ربما , أم موت زوج بعيداً عن زوجته في إحدى دور الرعاية التي يهمل فيها باعتباره رقماً آخراً في سجل المرضى , إحساس الأطفال بعدم المساواة وتأثير التربية المتزمتة والبيئة العدوانية في نفوسهم التي لا تزول مؤثرةً بكل مرحلة يمرون بها , أكثر ما تأثرت به هي الساعة الأخيرة , مواجهة النهاية والحياة في وحدة بعد هجر الجميع وموت الأحباء , يصبح الجو أكثر بطئاً وبروداً , الأيام متشابهة والساعات تمضي بلا نهاية لأوليف التي تبقى حبيسة منزلها من دون أمل بعد أن أبعدت أقرب الناس لها , محاولة فاشلة أخرى للتواصل وخسارة صديقها الأخير – كلبها – يضعانها أمام الخيار الوحيد في نظرها , يقطع مرور بعض الأطفال بالصدفة محاولة الانتحار لننتعش بالأمل مجدداً مع اعترافها بندمها ومحاولتها الأخيرة النظر للأمور بطريقة جديدة , لا زال هناك شيء يدفعنا دائماً للبحث ويحافظ برغبتنا على البقاء على قيد الحياة هي المقولة التي تقدم ببساطة كأنها لم تقال في لوحة لا تريد أقل من نقل كل شيء لنا .

التمثيل هو أفضل ما نشاهده هنا , ريتشارد جينكيز رائع في دور الزوج هنري , زوي كازان ممثلة مظلومة جداً وتستحق كل المديح في إظهارها طيبة ونقاء وحب بسيط للحياة يقابها حزن كبير في وجه الظلم الغير مبرر , ولكن من يسرق الأضواء بالتأكيد هي فرانسيس مكدورماند في واحد من أفضل أدوارها , ملامح خشنة قاسية وعيون تشع لؤماً إلى جانب دموع وآهات تتمزق لها قلوبنا وسخرية باردة وجافة وحب يحاول إخفاء نفسه دوماً , التناقضات والانتقال بينها يبدو في منتهى السهولة وعدم الافتعال مع ممثلة بارعة مثلها تجيد التجسيد ولبس رداء حياتي واقعي لشخصية معقدة مثل أوليف .

كمية التفاصيل والغنى والتوسع مميز , لطافة التصوير في ألوانه القريبة من القلب في أحيان وسوداويته المظلمة في أحيان أخرى تبقى مناسبة لرؤية ليزا المعقدة بخلفية موسيقية تمزج الحزن بالفرح , جو الريف والمدن الصغيرة وحياة الناس البسطاء يعطى كامل الوقت الاحترام والتعاطف منها , رؤية طموحة جداً وأسلوب جميل لمخرجة ممتازة قد لا يكون في أوج خصوصيته وذاتيته التي تستحوذ علينا ولكنه يستحق الاهتمام منا في ظل كل تلك العواطف الطموحة لصاحبته التي حققت بعضاً مما تهدف له لتبقينا في شوق للمزيد .