الجمعة، 6 مارس، 2015

عرق البلح

كتب : أحمد أبو السعود

التقييم : 5/5

بطولة : شريهان ، عبلة كامل ، حمدي أحمد
إخراج : رضوان الكاشف (1998)

عَرَقُ البَـلحِ
حكايَةُ قرية رحَل عنَها الظلُ
حين سقَطت نخلاتُها العالياتُ
و انـكَشَفَ رُعبُ الشَــمسِ

أخرج رضوان الكاشف فيلمه الروائي الأول عام 1993 ، انتظر بعدها 6 سنوات كاملة كي يُنجز فيلمه الثاني الذى ظل يحلم بتنفيذه قبل تاريخ عرض فيلمه الروائي الأول حتى ، بميزانية محدودة أغلبها منح من هنا و هناك أنجز حلمه "عرق البلح" ، عُرض الفيلم في السينمات ، ظل فيها أسبوعاً واحداً ثم تم رفعه منها .

أصرّ الكاشف ألا يتدخل أحد في النص الذى كتبه ، أراده كما تخيله ، تحمل مرور السنوات و حبس النص فى الأدراج طويلاً ، يرسم الكاشف هنا بريشة ساحرة و عذبة تفاصيل عالم في منتهى الخصوصية ؛ شخصيات تختبىء في الأماكن البعيدة و تُخبىء بداخلها مخزون وفير من الأسرار و الحكايات ، اختراق مثل تلك العوالم و الشخصيات يحتاج إلى رؤية تتمتع بخصوصية عالية أيضاً ، الأمر في النهاية قد يحتكم إلى الأحكام الأخلاقية و المُجتمعية على مثل تلك الشخصيات ؛ على عاداتها و تصرفاتها و طرق معيشتها ، الكاشف لا يفعل ذلك ، يُحيط عالم فيلمه و خصوصية شخصياته بهالة أسطورية لا تمنحها لنا إلا السير و الأساطير الشعبية ، يمنحنا كمُشاهدين منفذاً حسياً و روحياً نستطيع به الاقتراب من ذلك العالم ، الولوج فيه و الإحساس بمأساوية الحكاية و بسحر التفاصيل ، مزيج مدهش من التراجيديا و الرمزية و الواقعية السحرية يُقدمه الكاشف إلينا يبدأه بإهداء إلى ذلك الجنوبي المُطارد بخبيئته و يُنهيه برثاء حزين لتلك القرية التي رحل عنها الظل .

يفتتح الكاشف أسطورته بغريب تائه في صحراء قاحلة ، يصل إلى أبواب قرية يعتريها الصمت و تتجول فيها الأشباح ، بلغته الفُصحى يُنادى على من قد يُساعده ، يظهر شبح إنسان يجرى منه داخل أروقة و بيوت القرية حتى يصل إلى إمرأة سوداء  طاعنة في السن تنطق أول ما تنطق من وراء حجاب بكلمات فيها اشتياق و محبة : "جئت .. طال انتظاري لك أيها الحبيب ، كُنت على يقينٍ بأن أحدً من نسل الذين هاجروا سيأتي بحثاً عن جذوره" ، نستشعر منذ اللحظات الأولى بتلك الهالة الأسطورية من صمت المكان و وحشته ، من تجوال الغريب و إرهاق السفر الواضح عليه ، من دهاليز المكان و من الظهور الغامض لتلك الطاعنة في السن ، يستمر الحوار في ذلك المشهد مُحافظاً على سحره و مذاقه الغامض ، لتبدأ "زيد الخير ؛ رفيقة الجد الكبير صانعة عرق البلح" في بدء الحكي و كأننا نفتح كتاب سيرة شعبية ضخم ملىء بالتفاصيل و الحكايات .

تمهيدة الكاشف لفيلمه هي من أعظم الافتتاحيات في تاريخ السينما على الإطلاق ، يزرع لدى المُشاهد إحساس التأني و التمهل ؛ إحساس يجب أن يتحلى به المُشاهد كي يستشعر بمأساوية التراجيدية التي على وشك أن يعيشها ، كي يستطيع أن يضع قدميه على الأرضية الرمزية التي رسمها الكاشف في تلك الافتتاحية ، و الأهم كي يُهيىء سمعه و بصره و روحه لدخول عالم مُحاط بهالة أسطورية تكتنف بداخلها كل ما هو قادم علينا من أحداث و شخصيات .

يُحافظ الكاشف طوال أحداث فيلمه على إيقاع السرد الذى تبناه منذ البداية ، حيث تلجيم رمزيته الطافحة في جنبات الفيلم باللمحة الأسطورية التي يُحيط بها التراجيديا ، و إذا نظرنا إلى أوضح مشاهد الفيلم في رمزيتها و هو مشهد وفود الغرباء لإغراء رجال النجع بتحقيق أحلامهم لرأينا الكاشف هنا لا يستسلم إطلاقاً لرمزية المشهد بكل تفصيلة فيه لكنه هنا يزرع هالة غموض تُحيط هؤلاء الغرباء ، غموض يجعلك تتفاعل مع الحدث لا أن تُركز مع الرمزية فيه ؛ نظرات الجد بين الإحساس بالمصير المُظلم للرجال و بين الفرحة لإصرار أحمد على عدم الرحيل ، خوف سلمى و شفا من رحيل الرجال ، تفاصيل تؤسس للتراجيديا جيداً و تبحث بالنظرات داخل مكنونات شخصياتها .

خصوصية ذلك المُجتمع المُنغلق على نفسه قد توقع من يقدمها سينمائياً في فخ المُباشرة أو الادعاء ، الكاشف يرسم أحداثه و شخصياته بين التلميح أحياناً و التصريح أحياناً أخرى ، شخصية شفا مثلاً لا نسمع صوتها كثيراً ، يختصها الكاشف بمخزون وفير من النظرات التي تنطق بما داخل الشخصية ، الشخصية تحترق تدريجياً من الداخل قبل أن تُجبر على حرق نفسها حتى الموت ، حتى بعد رحيل الشخصية يظل أثرها مُمتداً و باقياً و بالأخص على سلمى ، و منال عفيفي هنا تقدم أداءاً عظيماً يحتوى هذا الكم من الفوران النفسي و الجنسي بنظرات عينيها و همس صوتها .

رسم الكاشف كل شخصية في فيلمه بخصوصية تليق فى النهاية بخصوصية انغلاق ذلك المُجتمع ، و ربما كانت شخصية الجد - يُقدمها حمدي أحمد بأداء من أبلغ و أجمل ما يكون - هي ذروة تلك الخصوصية بما تحمله الشخصية من صمت رهيب يُراقب و لا يُقرر ، رمزية الشخصية واضحة و أثر المأساة واضح وضوح الشمس في نظرات عينيها و يمنحها الكاشف رحيلاً أسطورياً يكتنفه الغموض و السحر ، هذه الخصوصية هي ما تمنح الشخصيات توهجهها و أثرها القوى على المُشاهد ، و حتى شخصية سلمى بكل ما فيها من مُبالغة - خصوصاً في أداء شريهان - و إصرار على تمييز الشخصية عن باقي نساء النجع في لون ملابسها مثلاً هو شىء مقصود تماماً حتى تختص الشخصية لنفسها بالجزء الذى ينتظرها من المأساة .

يُشحن الكاشف أجواء فيلمه بلمحة جنسية مُستترة تُحرك الأحداث دون تصريح بذلك ، لا نشاهد مشهداً جنسياً واحداً ، و تصل قمة التكثيف هنا فى استعراض بيبا العظيم ، يُكثّف الكاشف مقدار الحزن و اليأس الذى وصلت إليه نساء النجع فى نظراتهم و حركاتهم الراقصة و بالأخص في نظرات عبلة كامل - تقدم هي الأخرى أداءاً عظيماً يليق بحجم موهبتها - التي يعتريها اليأس و اللامبالاة ، و تنطلق شخصية شفا في ذلك الاستعراض إلى ما يُشبع فورانها الجنسي ، كل ذلك بالنظرات و الحركات الراقصة ، يُقدم الاستعراض خطاً درامياً لا يرد ذكره بعد ذلك لكن شكل التراجيديا يكتمل بذلك الخط ، و جزء كبير من سحر هذا الاكتمال هو تقديم ذلك الخط بهذا الشكل المُستتر  .

يُقدم طارق التلمساني إنجازاً تصويرياً في منتهى البلاغة ، يرسم بالظلال و توزيع درجات الألوان جغرافية المكان و خصوصيته و خصوصية شخصياته ، أغلب مشاهد الفيلم مُظلمة لكن الضوء ينسل من وسط تلك الظلمة كي يرسم تلك الهالة التي تميز كل شخصية عن الأخرى ، و موسيقى ياسر عبدالرحمن الأسطورية تمنح للحكاية المذاق الشعبي الذى تحتاجه ، و  كأننا في جلسة استماع إلى سيرة شعبية في مولد شعبي عظيم ، يمزج في كل جملة موسيقية التراجيديا بذلك الحس الصاخب أحياناً و الخافت أحياناً أخرى الذى يليق بمنطق الحدوتة الخرافية .

حمل الكاشف بداخله حواديت كثيرة عن المُهمشين و أولئك الذين لا نسمع عنهم شيئاً ، لم يُسعفه الزمن و لا ظروف الانتاج فكان رصيده 3 أفلام فقط فى 10 سنوات تقريباً ، عرق البلح هو حدوتته الأعظم على الإطلاق ، الحدوتة التي ظل يحارب كي يحكيها بالشكل الساحر الذى خرجت به في النهاية  .