كتب : أحمد أبو السعود
التقييم : 5/5
بطولة : شريهان ، عبلة كامل ، حمدي أحمد
إخراج : رضوان الكاشف (1998)
عَرَقُ البَـلحِ
حكايَةُ قرية رحَل عنَها الظلُ
حين سقَطت نخلاتُها العالياتُ
و انـكَشَفَ رُعبُ الشَــمسِ
أخرج رضوان الكاشف فيلمه
الروائي الأول عام 1993 ، انتظر بعدها 6 سنوات كاملة كي يُنجز فيلمه الثاني الذى ظل
يحلم بتنفيذه قبل تاريخ عرض فيلمه الروائي الأول حتى ، بميزانية محدودة أغلبها منح
من هنا و هناك أنجز حلمه "عرق البلح" ، عُرض الفيلم في السينمات ، ظل فيها أسبوعاً واحداً
ثم تم رفعه منها .
أصرّ الكاشف ألا يتدخل
أحد في النص الذى كتبه ، أراده كما تخيله ، تحمل مرور السنوات و حبس النص فى الأدراج
طويلاً ، يرسم الكاشف هنا بريشة ساحرة و عذبة تفاصيل عالم في منتهى الخصوصية ؛
شخصيات تختبىء في الأماكن البعيدة و تُخبىء بداخلها مخزون وفير من الأسرار و الحكايات
، اختراق مثل تلك العوالم و الشخصيات يحتاج إلى رؤية تتمتع بخصوصية عالية أيضاً ، الأمر
في النهاية قد يحتكم إلى الأحكام الأخلاقية و المُجتمعية على مثل تلك الشخصيات ؛ على
عاداتها و تصرفاتها و طرق معيشتها ، الكاشف لا يفعل ذلك ، يُحيط عالم فيلمه و خصوصية شخصياته بهالة
أسطورية لا تمنحها لنا إلا السير و الأساطير الشعبية ، يمنحنا كمُشاهدين منفذاً حسياً
و روحياً نستطيع به الاقتراب من ذلك العالم ، الولوج فيه و الإحساس بمأساوية الحكاية
و بسحر التفاصيل ، مزيج مدهش من التراجيديا و الرمزية و الواقعية السحرية يُقدمه الكاشف
إلينا يبدأه بإهداء إلى ذلك الجنوبي المُطارد بخبيئته و يُنهيه برثاء حزين لتلك القرية
التي رحل عنها الظل .
يفتتح الكاشف أسطورته
بغريب تائه في صحراء قاحلة ، يصل إلى أبواب قرية يعتريها الصمت و تتجول فيها الأشباح
، بلغته الفُصحى يُنادى على من قد يُساعده ، يظهر شبح إنسان يجرى منه داخل أروقة و
بيوت القرية حتى يصل إلى إمرأة سوداء طاعنة
في السن تنطق أول ما تنطق من وراء حجاب بكلمات فيها اشتياق و محبة : "جئت .. طال انتظاري لك
أيها الحبيب ، كُنت على يقينٍ بأن أحدً من نسل الذين هاجروا سيأتي بحثاً عن جذوره"
، نستشعر منذ اللحظات الأولى بتلك الهالة الأسطورية من صمت المكان و وحشته ، من تجوال
الغريب و إرهاق السفر الواضح عليه ، من دهاليز المكان و من الظهور الغامض لتلك الطاعنة
في السن ، يستمر الحوار في ذلك المشهد مُحافظاً على سحره و مذاقه الغامض ، لتبدأ
"زيد الخير ؛ رفيقة الجد الكبير صانعة عرق البلح" في بدء الحكي
و كأننا نفتح كتاب سيرة شعبية ضخم ملىء بالتفاصيل و الحكايات .
تمهيدة الكاشف لفيلمه
هي من أعظم الافتتاحيات في تاريخ السينما على الإطلاق ، يزرع لدى المُشاهد إحساس التأني
و التمهل ؛ إحساس يجب أن يتحلى به المُشاهد كي يستشعر بمأساوية التراجيدية التي على
وشك أن يعيشها ، كي يستطيع أن يضع قدميه على الأرضية الرمزية التي رسمها الكاشف في تلك
الافتتاحية ، و الأهم كي يُهيىء سمعه و بصره و روحه لدخول عالم مُحاط بهالة أسطورية
تكتنف بداخلها كل ما هو قادم علينا من أحداث و شخصيات
.
يُحافظ الكاشف طوال أحداث
فيلمه على إيقاع السرد الذى تبناه منذ البداية ، حيث تلجيم رمزيته الطافحة في جنبات
الفيلم باللمحة الأسطورية التي يُحيط بها التراجيديا ، و إذا نظرنا إلى أوضح مشاهد
الفيلم في رمزيتها و هو مشهد وفود الغرباء لإغراء رجال النجع بتحقيق أحلامهم لرأينا
الكاشف هنا لا يستسلم إطلاقاً لرمزية المشهد بكل تفصيلة فيه لكنه هنا يزرع هالة غموض
تُحيط هؤلاء الغرباء ، غموض يجعلك تتفاعل مع الحدث لا أن تُركز مع الرمزية فيه ؛ نظرات
الجد بين الإحساس بالمصير المُظلم للرجال و بين الفرحة لإصرار أحمد على عدم الرحيل
، خوف سلمى و شفا من رحيل الرجال ، تفاصيل تؤسس للتراجيديا جيداً و تبحث بالنظرات
داخل مكنونات شخصياتها .
خصوصية ذلك المُجتمع المُنغلق
على نفسه قد توقع من يقدمها سينمائياً في فخ المُباشرة أو الادعاء ، الكاشف يرسم أحداثه
و شخصياته بين التلميح أحياناً و التصريح أحياناً أخرى ، شخصية شفا مثلاً لا نسمع صوتها
كثيراً ، يختصها الكاشف بمخزون وفير من النظرات التي تنطق بما داخل الشخصية ، الشخصية
تحترق تدريجياً من الداخل قبل أن تُجبر على حرق نفسها حتى الموت ، حتى بعد رحيل الشخصية
يظل أثرها مُمتداً و باقياً و بالأخص على سلمى ، و منال عفيفي هنا تقدم أداءاً
عظيماً يحتوى هذا الكم من الفوران النفسي و الجنسي بنظرات عينيها و همس صوتها .
رسم الكاشف كل شخصية
في فيلمه بخصوصية تليق فى النهاية بخصوصية انغلاق ذلك المُجتمع ، و ربما كانت شخصية
الجد - يُقدمها حمدي أحمد بأداء من أبلغ و أجمل ما يكون - هي ذروة تلك الخصوصية بما
تحمله الشخصية من صمت رهيب يُراقب و لا يُقرر ، رمزية الشخصية واضحة و أثر المأساة
واضح وضوح الشمس في نظرات عينيها و يمنحها الكاشف رحيلاً أسطورياً يكتنفه الغموض و السحر ، هذه الخصوصية هي
ما تمنح الشخصيات توهجهها و أثرها القوى على المُشاهد ، و حتى شخصية سلمى بكل ما فيها
من مُبالغة - خصوصاً في أداء شريهان - و إصرار على تمييز الشخصية عن باقي نساء النجع
في لون ملابسها مثلاً هو شىء مقصود تماماً حتى تختص الشخصية لنفسها بالجزء الذى ينتظرها
من المأساة .
يُشحن الكاشف أجواء فيلمه
بلمحة جنسية مُستترة تُحرك الأحداث دون تصريح بذلك ، لا نشاهد مشهداً جنسياً واحداً
، و تصل قمة التكثيف هنا فى استعراض بيبا العظيم ، يُكثّف الكاشف مقدار الحزن و اليأس
الذى وصلت إليه نساء النجع فى نظراتهم و حركاتهم الراقصة و بالأخص في نظرات عبلة كامل - تقدم
هي الأخرى أداءاً عظيماً يليق بحجم موهبتها - التي يعتريها اليأس و اللامبالاة ، و
تنطلق شخصية شفا في ذلك الاستعراض إلى ما يُشبع فورانها الجنسي ، كل ذلك بالنظرات و
الحركات الراقصة ، يُقدم الاستعراض خطاً درامياً لا يرد ذكره بعد ذلك لكن شكل التراجيديا
يكتمل بذلك الخط ، و جزء كبير من سحر هذا الاكتمال هو تقديم ذلك الخط بهذا الشكل المُستتر .
يُقدم طارق التلمساني
إنجازاً تصويرياً في منتهى البلاغة ، يرسم بالظلال و توزيع درجات الألوان جغرافية المكان
و خصوصيته و خصوصية شخصياته ، أغلب مشاهد الفيلم مُظلمة لكن الضوء ينسل من وسط تلك
الظلمة كي يرسم تلك الهالة التي تميز كل شخصية عن الأخرى ، و موسيقى ياسر عبدالرحمن
الأسطورية تمنح للحكاية المذاق الشعبي الذى تحتاجه ، و كأننا في جلسة استماع إلى سيرة شعبية في مولد شعبي
عظيم ، يمزج في كل جملة موسيقية التراجيديا بذلك الحس الصاخب أحياناً و الخافت أحياناً
أخرى الذى يليق بمنطق الحدوتة الخرافية .
حمل الكاشف بداخله
حواديت كثيرة عن المُهمشين و أولئك الذين لا نسمع عنهم شيئاً ، لم يُسعفه الزمن و لا
ظروف الانتاج فكان رصيده 3 أفلام فقط فى 10 سنوات تقريباً ، عرق البلح هو حدوتته
الأعظم على الإطلاق ، الحدوتة التي ظل يحارب كي يحكيها بالشكل الساحر الذى خرجت به
في النهاية .
0 التعليقات :
إرسال تعليق