الاثنين، 9 فبراير، 2015

Inherent Vice

كتب : مصطفى فلاح

التقييم : 3.5/5

بطولة : واكين فينيكس ، جوش برولين
إخراج : بول توماس أندرسن (2014)

نحن أمام مادة أدبية دسمة لن نتوقع أي أحد غير بول توماس أندرسن أن يقوم باقتباسها للشاشة الكبيرة ، الفلم يُمثل تحدياً آخر لمُخرج يحب دائماً وضع نفسه أمام الاختبار قبل مُشاهديه و هو يصنع سينما لا يُمكن أن تقترن إلا باسمه , أسم المُخرج المؤلف الأكثر قابلية على تحويل أعماله السبعة - من ضمنهم فلمنا هذا - الى Cult كلاسيكي بعد مُدة قصيرة من صدورها فقط , و بهذا التعبير أعني أيضاً : (ليست لكُل مشاهد) ، لا عجب أن أندرسن أختار تيمة غريبة كهذه لتُمثل مفهومه عن الكوميديا مرة ثانية (بعد Punch-Drunk Love قبل أكثر من عقد كامل) , فهناك عدد كبير من الشخصيات المُختلة التي يُحب الأخير التعامل معها , إبراز أسوأ ما فيها , تعذيبها بنتائج أفعالها , تهميشها و جعلها غير مرغوبة سينمائياً , و عكس كُل ذلك على الجو الغرائبي للعمل ليبدو بذلك أغرب !

حبكة هذا العمل يجب أن تُشاهد بدلاً من أن تُحكى , و أن تُعايش عوضاً عن أن تُشاهد فقط ؛ هناك فُرصة واحدة يوفرها النص لتُعجب بشخصياته , تُفضل بعضها على بعض اعتماداً على مفهومك لها , و تحاول الانخراط في عالمها الفوضوي الذي ستحاول جاهداً في لملمته دون أن تنجح في ذلك ، و بالطبع , أندرسن يُحقق مُقاربة مُستحقة أخرى من أقرانه من العظام أمثال كوبريك , تارانتينو و ويس أندرسن في كونه يؤسس عملاً لن يُرضي ألاّ مُحبيه و لن يُقارن إلا بأعماله السابقة و في كونه أيضاً يتميز ببراعة هؤلاء في رسم صورة و انتقائية موسيقى تصنع مزاجاً مُناسب جداً لتفرد عمله .

ما يبرع به الفلم فعلاً هو قدرته على إشغال جمهوره طوال مدة العرض بفضل مجموعة عناصر صناعة ينجح أندرسن في الجمع بينها بألمعية ماكرة تُلغي شعورنا بأننا أمام سيناريو أجوف و حدث رئيسي لن يأتي أبداً ! ، في جل فصول هذا الحكاية الـ (أنتي - سينمائية) لأحد أكثر روائيي القرن العشرين "توماس باينجون" كفاءة في تعقيد المضمون و تطعيمه بالمصل القاتل للشك في معرفة ما سيحل تالياً , هناك مجموعة مُفردات تتحدث عن نفسها فقط دون أن تُحقق ارتباطاً فعلياً ضمن المنظومة العامة للحكاية , يجنح خلالها أندرسن بتفعيل اقتباس (سينمائي) ناجح في إبعاد أي مُلابسات زمانية و مكانية , تقليل مُتعمد في تفصيل الشخصيات , و منح معلومات افتراضية دون مُقابل لتُضفي بمجموعها قوة ساندة لهدف الكاتب الرئيسي في هدم الثقة بينه و بين القارئ (أو المُشاهد !).

على كُل حال و بالنسبة لعمل يكفي أن يحمل أسم صانعه ليُحقق وجوب مشاهدته مراراً و تكراراً , يبدو هذا أكثر أعمال مُبتكره قدرة على أرباك مُشاهده بشكل ملحوظ و جعله عاجزاً عن أدراك فحوى لكل ما حصل ، نعم , قد يفتقر قليلاً لبعض البهارات السينمائية التي يُحبها متتبع صنف الكوميديا السوداء الذي يندرج في خانته , يبدو أحياناً ضعيف في توفير التسلية , يجتر سريعاً بعض المشاهد و يحتاج لمنتجة أكثر بطأ لبعض آخر , إلاّ أن تلميح حكاياته المُمتعة و ذكاء مُخرجه في بلورتها مُنفصلة تعمل معاً كجهاز لغسيل الدماغ كُلما صُور لنا أمساك طرف خيط حل المُعضلة التي لم نعد نفهم منها شيئاً في المقام الأول ، و هذا يكفيني لمُعايشة واحدة من أمتع تجارب 2014.