الاثنين، 19 يناير، 2015

The Boy and the World

كتب : أحمد أبو السعود

التقييم : 5/5

بأصوات : ماركو أوريليو كامبوس ، فينيشيوس غارسيا
إخراج : آله أبرو (2014)

محاولة فهم العالم في وقتنا الحالي هي محاولة ليست باليسيرة إطلاقاً ، فترجمة التحولات التي تحدث ستستنزف كل ذرة منطق يحتملها العقل البشرى ، و اختلافات البشر بطبائعهم و لغاتهم و سلوكياتهم لم يؤدِ في النهاية إلى زخم ثقافي منشود بل أدى إلى مزيد من الصراعات و زيادة العزلة بينهم ، إيجاد لغة للتواصل وسط هذا الكم من الخراب و الصراع و الاختلاف يبدو من دروب المستحيل ، لكن يأتي الفن و في أبسط صوره و أشكاله و يفعلها .

مقدمة أدبية لا قيمة لها سوى أنها أقرب إلى الفضفضة ، الفيلم في النهاية يمنحك هذا الشعور ، ينقل لك تجربة محاولة إيجاد لغة للتواصل مع العالم من حولك ، بأبسط ما يمكن ، تحكي قصة الفيلم عن ولد ذهب في رحلة للبحث عن أبيه الذى اضطر إلى مغادرته بحثاً عن الرزق ربما ، و في رحلته تلك يتعرض لمخاطر و منعطفات كثيرة ، يخلق المخرج هنا عالماً كاملاً ما هو إلا انعكاس لمخيلة طفل يخوض رحلة مثل تلك ، هنا لغة خاصة يتم بها نسج أحداث الفيلم ببعضها ، النسيج في النهاية يبدو سيريالياً و فانتازياً لكن بقدر مباشر و واضح و على مستوى عالٍ من الإنسانية و الصدق ، داخل مخيلة ذلك الطفل تخرج مثلاً فقاعات ذات ألوان زاهية و جميلة من كل الآلات الموسيقية لتُشكل مخلوقاً ملوناً جميلاً ، نفس المخيلة التي تُشكل مخلوقاً مخيفاً أسود اللون من الفقاعات التي تتشكل من صوت الرصاص و الدبابات ، لنُشاهد نحن صراعاً بين المخلوقين لن ينتهى حسناً ، من المقصود هنا تحميل الفيلم أبعاداً سياسية و اجتماعية مُباشرة و واضحة ، تصل درجة القصد من صناع الفيلم إلى إدخال لقطات أرشيفية حقيقية لغابات تحترق و مصانع تملأ السماء دخاناً في إشارة واضحة بالطبع لما يريد الفيلم أن يقوله ، لكن الجميل هنا أن الأمر لا يصل بأي حال من الأحوال إلى درجة الإدعاء ، و لن تشعر بأن الفيلم يُحمًل على كاهله أكثر مما يحتمل ، لأن في خلفية كل هذا هناك لغة سينمائية يخلقها الفيلم تخلق بدورها تياراً إنسانياً يضرب في جذور كل بني آدم ، حيث الحاجة إلى التواصل و الحاجة إلى فهم ما يحدث في العالم الآن .


اللغة التي يخلقها الفيلم هنا ليست بحاجة إلى حوار كي تتواصل معها ، فقد تم تأليف لغة غير مفهومة نطقت بها بعض الشخصيات في مشاهد قليلة في الفيلم ، لغة الفيلم مُعتمدة بالكامل على الرسومات البسيطة التي قام المخرج برسمها جميعاً بنفسه ، تبدو تلك الرسومات كأنها شخبطة طفل صغير ، لكن ألوان تلك الرسومات و توزيع درجاتها في كل كادر يشير إلى سمو روحي يسعى إليه المخرج ، و يمزج شريط الصوت العظيم مع تتابع تلك الرسومات ليحقق بالفعل السمو الروحي الذى ينشده ، يستحضرني هنا مشهد وداع الأب لعائلته ، اللحظة التي تدخل فيها التهويدة شريط الصوت و اللحظة التي يلتقط فيها الأب الناي الخص به لكى يعزف لولده لحناً جميلاً يحتفظ بنغماته في ذاكرته ثم تغير الألوان إلى ما يقرب إلى ألوان الجنة ، الفيلم بالكامل عبارة عن ذلك المزيج الجامع بين تشكيلات بصرية و لونية في منتهى الجمال و شريط صوت يلتقط تفاصيله بمنتهى الدقة و الروعة و يقدم لنا في النهاية لغة تُثير الحواس و تسمو بالروح و تنقلها إلى أبعاد و أماكن تُمكننا من رؤية العالم بشكل أفضل حتى لو لدقائق قليلة .

أفلام الرسوم البسيطة هذه بدأت في الآونة الأخيرة تأخذ حيزاً مُحترماً من الانتشار ، تفرض نفسها بعيداً عن الزخم الهوليودي المعروف ، تفرض لنفسها طرقاً أكثر بساطة ، أوسع خيالاً و أقرب إلى تصور طفل صغير عما تبدو عليه الجنة .