الاثنين، 5 يناير، 2015

The Best Offer

كتب : أحمد أبو السعود

التقييم : 3.5/5

بطولة : جيفري راش ، جيم ستورغس ، سيلفيا هوكس
إخراج : جيوزيبي تورناتوري (2013)

عندما يُسأل السيد أولدمان عن السبب الذى جعله لا يتزوج و ينجب أطفال يجيب و يقول "الاحترام الذى أكنه للنساء يُعادل الخوف الذى أعانيه منهن".

 يقدم الفيلم تركيبة نفسية مدهشة و رائعة لشخصية عاشت حياتها كلها بين اللوحات الفنية ، تُفرز المزيفة من الأصلية ، و يتحول الشغف إلى هوس و الهوس إلى عزلة و ضعف داخلي يداريه قناع من الرصانة و الجدية ، العالم الذى خلقه الفيلم للشخصية مدهش بحيث يبدو هذا العالم كبيراً و ثميناً و لكنه فى واقع الأمر يزداد ضعفاً و اختناقاً ، و وحده الحب القادر على تجاوز هذا الاختناق إلى آفاق أكثر اتساعاً و رحابة .


تكمن المتعة كلها في خطوات اختراق هذا الحب لهذه الشخصية شديدة الانغلاق على عالمها الخاص بها و خصوصاً عندما يأتي هذا الحب من طرف يبدو عالمه أكثر ضيقاً من عالم الشخصية الرئيسية ، لتصبح لقطات مثل اختلاس نظرة من ثقب في جدار هي بمثابة قذف حجر كبير في بحيرة راكدة يحقق أمواجاً من الانفعال العاطفي و النفسي ، روعة الفيلم كله تكمن في هذه المشاهد ، أولاً في طريقة بناء الشخصية و رسم تفاصيل عالمها : الغرفة السرية المليئة بلوحات لسيدات من عصور مختلفة ، تفاصيل مثل إرتداءه لقفاز فى يديه يُجنبه ملامسة الناس دوماً ، ثم تأتى المرحلة الأهم و هي خطوات فك عالم هذه الشخصية و اختراقه من عالم شخصية أخرى تعيش ظروف أكثر خصوصية .

بصرياً يتشبع الفيلم بالتوازن الدقيق بين خصوصية الشغف الفني لبطل الفيلم و بين عُزلته التي تزداد طردياً مع كل إنجاز يُحققه ، و لدينا لقطتين شهيرتين للغرفة التي يحتفظ فيها السيد أولدمان بلوحاته القيمة ، لقطة قبل اختفاء اللوحات و لقطة بعد اختفاءها ، المُقاربة الشعورية التي تحدث في اللقطتين نادرة الحدوث بالفعل ، حيث الإحساس بالعزلة و الوحدة فى اللقطتين رغم اختلاف التفاصيل و تطور الأحداث و استجابة الشخصية نفسها على مدار تلك الأحداث لما كانت تفتقده ، لذلك يأتي الإحساس فى اللقطة الثانية مُضاعفاً و ذا تأثير قوى على المُشاهد ، تورناتوري بارع دوماً في تلك الجزئية حيث قدرته على خلق اللحظة و تكثيف تأثيرها على المُشاهد من خلال مزجه المتناغم جداً بين عناصر الصورة و نغمات الموسيقى و تفاصيل و خصوصية شخصياته .

الموسيقى هنا لاعب أساسي في سرد تفاصيل عالم السيد أولدمان حيث الإحساس بسحر و جمال اللوحات التي تشكل جزءاً مهماً في حياة السيد أولدمان و في نفس الوقت نقل الضعف الذى يداريه السيد أولدمان بكل براعة ، و جيفري راش يستغل نظرات عينيه للحفاظ على هذا الوتر النفسي الحساس ، فيكفى أن تتابع نظرات عينيه مثلاً في مشاهد التلصص أو تعبيرات وجهه بعد أن أعاد شعره إلى لونه الأصلي .

إلى الآن يسير الفيلم إلى بر الأمان ، لكن تأتى النهاية لتنسف مجهود جميل بذله المخرج في بناء الشخصية ، خضعت النهاية بكل بجاحة إلى مقاييس تجارية سخيفة ، ليس المجال هنا لشرح تفاصيل تلك النهاية ، حيث يُستحسن أن تكتفى بالفيلم بدونها ، الفيلم الذى يرتفع بشخصيته و موسيقاه و صورته و أداء ممثليه إلى مصاف الأفلام التي تمنحك فرصة زيارة عالم نفسى شديد الخصوصية .