الاثنين، 1 ديسمبر، 2014

Breaking the Waves

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 4.5/5

بطولة : ستيلان سكارسغارد ، إيميلي واتسن
إخراج : لارس فون تريير (1996)

"إن أردت أن تستفز فعليك أن تستفز الأقوى منك ، وإلا فأنت تسيء استخدام قوتك" – ترايير

ترايير يؤمن بأن الفيلم يجب أن يكون كصخرة داخل الحذاء ، أعتقد أنه قد نجح – إلى حد كبير – في جعل أفلامه ضد النسيان أو التجاهل أياً كان موقفك تجاهه ، (كسر الأمواج) قد يكون الصخرة الأجمل عند الدانماركي المستفز.

بيث ماكنيل فتاة تمتلك الكثير من السذاجة .. من الطيبة .. من روحانية المحبين ، ترايير يمنحنا الفرصة لمشاهدة براءة بيث وخوضها التجارب الجديدة ، الإنفعالية المزاجية لديها والمشاعر التي على السطح دائماً ، الفتاة ليست سطحية ، فإن كانت الإنفعالات ظاهرية لكن شعورها العميق بالحب لا يمكن تجاهله ، قبل زواجها من يان كانت لا تزال عذراء ، فكان اكتشاف الجنس بالنسبة لها مرتبط باكتشاف الحب ، مما جعل الرابط الجسدي والروحاني تجاه زوجها غير قابل للكسر ، حتى بعد أن تعرض زوجها لإصابة جعلت جسده بلا فائدة ، عادت بيث إلى الحب الذي عرفته قبل أن تعرف الجنس .

أثناء حفل زفاف بيث نرى جدها يتبارى مع أحد الشباب – صديق الزوج يان – لإظهار مدى العنفوان والقوة ، في مقابل ضغط الشاب على قنينة الصودا الصفيح قام الجد بالضغط على كوب البيرة الزجاجي حتى حطمه ، مما تسبب في جرح يده ، بجانب الروح المرحة للمشهد وعرضه الساخر للطبيعة التنافسية لدى الرجال ، لكنه أيضاً يرمز لعند المجتمع وتزمته الذي لا يملك الذكاء الكافي لتجنب العنف .

بيث تلعب الدورين ، دور المخلوق والخالق ، فهي تناجي الرب بصوتها ، ثم ترد على نفسها بصوت رخيم تعتقد أنه صوت الرب ، الرب عند بيث ليس صامتاً ، وإنما هو تعويض لنقص الثقة والدراية ، كما أنه إنعكاس لنفسها الطيبة.

على أي حال بيث ابتكرت نسختها الخاصة لرب أقل تجهماً وصلفاً من نسخة مجتمعها ، مجتمعها المتدين الكالفيني يحمل دائماً عقدة ذنب دائمة ، يدين أي شكل من أشكال المتعة ويدين الحياة نفسها ، بيث تحب الحياة لذا كانت الشاذة وسطهم ، الخروف الضال وسط القطيع .

أثناء نوم الزوج تلجأ بيث إلى نفس الحيلة النفسية وتقوم بتقليد صوت زوجها وكأنه يحادثها ، بيث لا تطيق صمت الأرض أو السماء ، لذا تخلق لنفسها سبيلاً للوقاية من الوحدة عن طريق حوار وتواصل دائم حتى وإن كان غير حقيقي ، بالنسبة لنا على الأقل ، بيث دعت الرب حتى يعود زوجها من عمله في البحر ، تقع حادثة للزوج ويُصاب بالشلل ، تعتقد بيث أن تلك طريقة الرب لمعاقبتها باستجابته لدعواها .

الفيلم لم يقتصر على تجسيد الإله كإنعكاس لفرد بيث ، كإله طيب مثلها ، لكنه كان كذلك إنعكاس لإله عارف بواطن الأمور ومصلحة الأخرين كشخص يان الذي طلب من زوجته ممارسة الجنس مع رجال آخرين طالما هو عاجز جسدياً ، إله قاسي كذلك كإنعكاس لأفراد قرية ظالم أهلها ، قاموا بلعن بيث وحرمان المرأة من الكلام داخل بيت الرب ، قدم ترايير الإله بصورة عادلة كإنعكاس لطبيعة قلب من يحمله ومن لا يحمله ، الفيلم قد يكون ضد الدين كمؤسسة ، لكن الفيلم – بنزعته الطيبة – يحتفي بالرب ، بينما المجتمع يحتفي بالدين ولكن المجتمع – بقلة رحمته – ضد الرب .

تقول بيث للطبيب المعالج لزوجها : "كل شخص لديه شيء هو جيد به ، لطالما كنتُ غبية ، لكني جيدة في ذلك" ، يسألها عن موهبتها التي خصصها الإله لها ، فتجيبه بأن موهبتها أنها تستطيع أن تؤمن ! ، قبل النهاية تحاول بيث استنطاق الرب ، فلا يجيب ، لكنه سيقرع لها أجراس السماء بعد مغادرتها الأرض في نهاية خيالية ، بعد أن أدانها رجال الدين واصدروا حكمهم بأنها نزيل أبدي في الجحيم .

العديد من النقاد أشاروا إلى إنعدام السبب الذي جعل يان يطلب من زوجته أن تمارس الجنس مع الرجال ، ورجحوا أن التفسير الوحيد هو المرض والعقاقير ، أعتقد أن يان قد استنتج من حديث صديقة بيث – وزوجة أخيها الراحل – بإشارتها إلى حالته الميؤوس منها ورغبتها في أن تستكمل بيث حياتها ، موضحة أن بيث ستقوم بأي شيء من أجل أن ترى زوجها يبتسم ، من هنا ربما كانت فكرة يان بأن يحرر بيث من قيود الزواج وحبها له ، فطلب منها هذا الطلب الغريب بداعي إثبات حبها له ، وأن تلك الطريقة الوحيدة حتى يتم شفائه ، لذا قبلت بيث لرغبتها الشديدة في شفاء زوجها ، لكنها سرعان ما أصبحت ضحية لقسوة وعدم تفهُّم المجتمع والأهل والكنيسة والزوج خلال حياتها وحتى بعد موتها ، أصبحت قديسة تقرع لها أجراس السماء وإن كانت أجراس الأرض الكنيسة لا وجود لها ، تصبح بيث مُخلِّصة ومسيح تفتدي زوجها ، مجدلية معكوسة خلاصها الوحيد في التضحية .

لجأ ترايير إلى تأصيل الطابع الوثائقي لفيلمه بالكاميرا المحمولة ونظر الشخصيات إلى الكاميرا مباشرة ، موحياً بأننا نرى فيلماً خام لم يهذّب ، فيلماً منزلي الصنع ربما ، الفيلم من تصوير روبي ميللر الرجل الذي ساهم بشكل واضح في إنجازات ضخمة مع جارموش و فيندرز ، وكانت لديه قدرة خارقة على التكيف مع أساليب المخرجين المختلفة ، اختار ترايير الألوان الهادئة حتى يمنح الدفء إلى فيلمه المنزلي ، كما قسّم الفيلم إلى فصول تبدأ بموسيقى روك من سبعينات القرن الماضي ، الفترة التي يفترض أن يدور خلالها الفيلم ، الفيلم كان بداية ما يُعرف بثلاثية (القلوب الذهبية) مع فيلمي The Idiots و Dance in the Dark .

إميلي واتسون في دور بيث ماكنيل انجزت أداء خارق من وجهة نظري ، ومن البديهي أن تجد كم كبير من المديح الخاص لها متى ذُكر الفيلم ، وعلى تلك السطور ألا تكون استثناء ، كان الاختيار الأول لهذا الدور من نصيب الجميلة المخيفة هيلينا بونهام كارتر لكنها لسبب ما تراجعت ويشاع أنها ندمت – ولديها كل الحق – فيما بعد .

ترايير هو "رجل دراير" كما أطلق على نفسه خلال إحدى المقابلات ، سعى ترايير أن يستوحي تحفة مواطنه العظيم The Passion of Joan of Arc ، طالباً من ممثلته واتسون النظر كما كانت تنظر فالكونتي في فيلم دراير ، حتى يستنسخ ترايير قديسة دراير ، النهاية الخيالية مشتركة كذلك بين فيلم ترايير و فيلم دراير العظيم Ordet ، هجوم ترايير على التنظيم الديني كان سبقه كذلك هجوم دراير – الأقل ضجيجاً بالطبع – على التنظيم الديني المتمثل في كنيسة المسيح التي خانته بحد زعم يوهانس ، أعتقد أن موسيقى الروك اخلّت قليلاً بالمزاج العام للفيلم ، بالإضافة إلى خاتمة طويلة كان من الممكن اختصارها ، الأثنان منعا الفيلم من أن يصبح (آلام جان دارك) جديد .

ترايير هو فنان مُعذَّب مُعذِّب ، يحمل صراعاً داخلي ما بين دي ساد و دراير ، أعتقد أن دراير يكسب المعركة في النهاية – على الأقل – في فيلم (كسر الأمواج) ، كما أعتقد أن ترايير يُحب أن يكسب دراير ، شخصياً أؤمن بالدافع الإنساني لدى ترايير – كما آمنت به عند بازوليني - عند النظر بزاوية مناسبة إلى النتائج والتأثير .. وليس الشكل ، أو بكلمات أخرى عند النظر إلى الأثر الذي تُحدِثه الصدمة وليس إلى الصدمة نفسها .

"فلسفتي في الأفلام الأخرى : (الشر موجود) ، بينما فلسفتي في هذا الفيلم : (الطيبة موجودة)" - ترايير