السبت، 1 نوفمبر، 2014

Diary of a Country Priest

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 4.5/5

بطولة : كلود ليدو ، نيكول لادميرال
إخراج : روبير بريسون (1950)

"الهدف ليس أن تُخْرج شخص ما ، الهدف أن تُخْرج نفسك" *

حاول تطبيق نظريته الفنية في The Ladies of the Bois de Boulogne ، لكنه اعتبره نفسه هُزم ، "لا يمكن تغيير طبيعة الممثل ، لا يمكن الرجوع إلى الخلف قبل أن يصبح ممثل" ، التمثيل يعطي للمشاهد شيئاً ليقلده بينما اللاتمثيل يمنحه شيئاً ليكتشفه لذا قد يبدو النهج محيراً لمحبي الاستقرار والإنتماء ، بريسون يقول أنه يؤمن بالعفوية ، لا يقوم بإحضار شيء جديد لموقع التصوير ، لكن المتابع لأفلام الفرنسي يدرك كيف أن الرجل شديد الدقة ، بيرسون لا يعرف ما الذي سيفعله في اليوم التالي ، لكننا نعرف أنه عند قدوم اليوم التالي هو يعرف جيداً ما عليه فعله ، "عندما لا تعرف ما تفعله ، وما تفعله يكون هو الأفضل .. هذا هو الإلهام".

عندما قرر تحويل رواية جورج برينانوس إلى فيلم ، كان قد عزم الأمر على عدم الاستعانة بممثلين محترفين في فيلمه الجديد ، بريسون لم يخترع الفكرة ، فقد سبقه رينوار و روسيليني وغيرهم ، لكن بريسون أخذ التحدي إلى أقصى اتجاه ممكن ، المعتاد عند المخرجين الذين يلجئون إلى الهواة والممثلين غير المحترفين هو البعد عن أخذ لقطات مقربة لأوجه الشخصيات ، فيلم بريسون يستعين بعدد هائل من اللقطات المقربة جداً لأوجه شخصياته لاسيما للشخصية الرئيسة (القس) ، بريسون يمتلك عقلية رسام ، لكن الرسام عندما يصبح مخرج عليه أن ينفذ المستحيل ، الرسام قد يُكمل لوحته من خياله ووجه من يرسمه بإنطباعه أو رؤيته الذاتية التخيلية ، لكن المخرج الرسام عليه أن يجعل من الكاميرا عينه ، تنفيذ ذلك بنجاح – دون مساومة أو تنازل – عمل لا يمكن إنجازه بالكامل في الغالب ، لكن لكل قاعدة استثناءاتها ، "الأشياء التي نجدها مصادفة .. يا للقوة التي تمتلكها تلك الأشياء ! إنتاج الشعور يتحدد أثر مقاومة الشعور".

الاختبار الروحي الذي يمر به القس والمشاهد معه هو اختبار صعب ، بريسون – كعادته – لا يستخدم ما يغريك بأن تحب أبطاله لكنك تجد نفسك – في نهاية الأمر – متورطاً بشدة ، المنهج التجريدي الذي يتبعه بالبعد عن وسائل التعبير التقليدية وتمرده على السينما من الخارج وليس من الداخل ، جعله أكثر كفاءة على إثارة المشاعر بصورة أشمل وأكثر عمقاً ، وجعل صورته قادرة على البقاء في عقل و قلب المشاهد للأبد .

قس شاب يُكلف بالذهاب إلى بلدة ريفية لرعاية أبرشيتها ، القس يسير على حمية تقشفية مكونة من الخبز المنقوع في النبيذ ، منذ البداية نجد الراهب خلف قضبان السور الحديدية للأبرشية ، بينما الرجل والمرأة خارج السور انزعجا لوجوده بينما يقبلان بعضهما فتركا المكان ، القس مسجون داخل نفسه ، كما أنه يبدو كالمتطفل على القرية ، هذا يُرجح أن العواقب ستكون وخيمة ، وقد كانت .

 يذهب القس لمواساة الكونتيسة التي فقدت ابنها ، وفقدت معه إيمانها بالرب ، يدور بينهما حوار عن الإيمان شديد الجمال كتابة و تنفيذاً ، يعود للكونتيسة إيمانها لكنها تموت في اليوم التالي .

"الكونتيسة : الحب أقوى من الموت ، حتى كتبك المقدسة تقول هذا !
القس : نحن لا نخترع الحب ، فلديه قوانينه و نظامه .
الكونتيسة : الرب هو سيده !
القس : الرب ليس سيداً للحب ، الرب هو الحب بذاته ، إن رغبتي في الحب ، فلا تضعي نفسك خارج نطاقه"

بنت الكونتيسة تنشر الشائعات حول القس ، تتدهور صحة القس و يكتشف إصابته بسرطان المعدة ، يموت لدى زميل سابق بينما يتمتم كلماته الأخيرة "وما المهم ؟ فالنعمة تعم كل شيء"

استخدم بريسون نوعين من القطع في فيلمه ، ذوبان المشهد السابق في المشهد اللاحق ، والفاصل الأسود الطويل ، ساعده القطع على تنظيم الإيقاع وعدم إرباك المشاهد ، يمكننا أن نتلمس أسلوب المخرج السامي المتقشف كبطله : استخدامه للموسيقى بصورة ستقل تدريجياً في الأفلام اللاحقة ، ولعه بالأيدي ، أيدي تعبر أكثر من باقي الجسد ، فالأيدي عند بريسون لاتزال تعيش في اللاوعي والفطرة ، ولم تلوث بالوعي أو التقليد .

الدراجات البخارية كمرادف للشر من خصائص سينما بريسون ، لابد من سماع صوت الدراجات في أفلامه و إن غابت صورتها ، الأصوات – بصورة عامة – شديدة الأهمية لدي المخرج العظيم ، وعنايته في استخدام الصوت – صوت الخطوات مثلاً – لا تقل جهداً عن عنايته بالصورة ، يعتقد بريسون أنه متى يمكن للصوت أن يحل محل الصورة ، فعلى المخرج أن يتخلى عن الصورة أو يجعلها محايدة ، فالعين تذهب إلى الظاهر بينما الأذن تذهب إلى الباطن .

خلفية (القس) لا نعرفها ، لا يهتم بريسون بأن يعطينا تصريحاً أو تلميحاً ، لكنها شخصية بريئة ، لا نعرف كذلك إن كانت الشخصية بريئة بالفطرة أم بالاختيار ، وإن كانت الأولى أرجح ، قضبان السور الحديدي للأبرشية تعكس حالة الأسر التي يعيشها ، تفتح الباب للجدل حول حرية الاختيار في الحياة ، ظن أهل القرية أن القس – كما يُشاع – سكير ، ودعم اعتقادهم وهن القس وقلة تركيزه ، يعرف المشاهد أن القس معتل الجسد والروح ، فالفيلم لا يقف عن الحدود الظاهرية للجسد المحدود ، بل يطرح أسئلته حول إن كانت الروح محدودة كذلك .

"المخرج الذي يتبع الموضة ويضع في فيلمه القليل من كل شيء ، مثل الرسام الذي يعمل بألوان كثيرة ، اجعل الأشياء تبدو كما لو أنها تريد أن تكون هناك"

بريسون يقول بأنه ليس بالضرورة لكونه متدين أن يصبح فيلمه كذلك ، بريسون فيما بعد سيصرح بأنه ملحد مسيحي ، في سينما المؤمنين يكون الفيلم صلاة وإن انكروا ذلك ، القس في الفيلم يوافق الكونتيسة على ما يمكن اعتباره تجديفاً ، يراه تجديفاً محموداً وضروري للوصول إلى إيمان سليم ، طبيب القرية الملحد الذي يموت ويصدم خبر موته القس ، القس وقت ألمه من المرض لم يستطع الصلاة ، ظن أن الرب قد تخلى عنه ، هل عجز عن الصلاة لظنه أن الرب تخلى عنه أم أن عجزه عن الصلاة هو الذي جعله يظن ذلك ؟ وقت الألم والمرض يكون من العبث التحديد .

في نهاية الفيلم يذهب القس إلى صديق سابق ، يتحدث الصديق عن حياته وتقلباتها ، كاميرا بريسون لم تترك القس الصامت لمدة ثلاث دقائق كاملة ، يمكننا أن ندرك ألم القس ونتعاطف معه ، بريسون يريد بالمشهد الطويل أن يصبح ألم القس هو ألمنا جميعاً ، الشيء الجميل – رغم صرامة بريسون فيما يخص التمثيل – أن أداء كلود لادو كقس شاب اعتبره البعض من أعظم الأداءات التمثيلية التي عرفتها السينما .

سكورسيزي يقول أن شخصيته العظيمة (سواق التاكسي) قد تم استلهامها من قس بريسون ، فالشخصيتان يجمعهما الإنغماس في الذات والسجن الخارجي والداخلي ، سطر سكورسيزي المفضل من النص كان "الرب ليس مُعذِّباً" ، بول شرايدر كاتب Taxi Driver واحد من محبي بريسون المُخلِصين ، و صاحب كتاب مهم عن الثلاثة الكبار المتسامين (درايرأوزوبريسون) ، بينما الناقد روجر إيبرت وجد نفسه في الساعة الأخيرة من الفيلم مسحوراً أكثر مما يكون عليه الحال عند مشاهدة فيلم إثارة ، شخصياً وجدت تشابه بين وجه القس الشاحب وملابسه السوداء في تحفة بريسون ، وبين وجه الموت الشاحب و ملابسه السوداء في خاتم بيرجمان السابع .
"هناك أشياء كثيرة لا تستطع العين رؤيتها ، لكن الكاميرا ترى كل شيء ، نحن مهرة زيادة عن اللازم ومهارتنا تخوننا ، يجب علينا أن نثق – في الغالب – بمشاعرنا والاحساس الذي لم يكذب علينا أبداً ، فذكاؤنا يعكر صفو رؤيتنا السليمة للأشياء"

(*) ملحوظة : أغلب ما بين علامات التنصيص هي اقتباسات من كتاب (ملاحظات عن التصوير السينمائي) ، جمع لملاحظات بريسون .