الأحد، 3 أغسطس، 2014

Boogie Nights

كتبت : فاطمة توفيق

التقييم : 4.5/5

بطولة : مارك وولبرغ ، بيرت رينولدز ، جوليان مور
إخراج : بول توماس أندرسن (1997)

بوجي نايتس ، أو كيف تصنع فيلماً يلخص لك الحيرة التي تسكن العالم في ساعتين ، تجربة مشاهدة هذا الفيلم ليست فقط كاشفة عن مدى الحيرة التي يغرسها بداخلك العالم و إنمأ أيضاً هي تجربة مشاهدة مربكة ، وثقيلة.

فما بين (إيدي/ديرك) والذي بدأ حياته في عالم الأفلام الاباحية بالصدفة ، وبين (جاك) القائد العظيم لهذا العالم ، و (آمبر) التي فقدت كل شيء مقابل شهرة لا تتعدى عالم تلك الأفلام مع نشوة المخدرات الزائلة ، وبين باقي شخصيات هذا العالم يخلق بول توماس آندرسون عالم مصغر ومكثف عن العالم الكبير الذي نعيش فيه ، والذي تحدث الأشياء فيه بدون وجود مبرر واضح لحدوثها ، لتخلق تلك الأحداث عوالم جديدة وتنهي أخرى قديمة في لحظة ، كما أن آندرسون لا يبرز كون وجود الاختيارات الخاطئة في عوالم شخصياته مبررا لما يحدث ، فكل ما يحدث هو يحدث وفقط حيث أن الاختيارات الخاطئة نفسها لا يوجد مبرر واضح لها ، فما المبرر لكون أم ايدي تعامله بهذه القسوة فقط لأنها تريده يكمل تعليمه خوفا من مستقبل كانت هي سبباً فيما هو أسوأ منه حينما دفعت بابنها إلى الحافة ؟ ، وما المبرر من ترك آمبر لطفلها وعملها في هذا المجال ؟ ، وما المبرر لانتهاء الأمور بشكل جيد لشخصيات كـ (باك سووب) و (بيكي بارنيت) ؟ ، يخبرك آندرسون أن المبررات قد تكون غير موجودة أو غير واضحة أو أنها أقبح كثيراً مما أدت إليه ، فقط نحن نشاهد الصورة غير مكتملة أو نفهمها بشكل خاطئ ، وبالتالي تحدث الأمور وفقط ، وخاصة في هذا العالم الصغير الذي خلقه في الفيلم وجعله غير مرتبط بأي شيء خارجه ، فأنت لا تتعرف عن خلفية الشخصيات ومن أين وصلت إلى هنا - باستثناء شخصيتي إيدي و آمبر - ولا تعرف ماذا سيحدث لهم بعد ذلك سوى أنهم مستمرين هنا في ممارسة أدوارهم لإبقاء عالمهم الصغير هذا متماسكاً ، قد تبرر لنفسك أنهم قد وجدوا الأمان فيه ولم يجدوه خارجه ، فتصل إلى استنتاج عن مدى بؤس الحياة في عالمنا الكبير التي تدفع البعض لتلك الاختيارات الخاطئة ، تدفعهم إليها لأنهم لم يجدوا الأمان سوى في حياة أركانها هي الاباحية أو المخدرات أوغير ذلك من قبح لا يجدون عنه بديل.

أيضاً تكمن الحيرة التي يكشفها الفيلم بكونه مربك في الرسائل التي يرسلها لك ، او بمعنى أصح هل ما تشاهده على الشاشة هو الحقيقة فعلاً ، هل كانت الأمور تسوء فعلاً حينما كانت تسوء ويضيق الخناق حول الشخصيات التي تحياها ؟ ، وهل تحسنت الأمور بالفعل كما أراد لها بول توماس آندرسون أن تتحسن في نهاية الأمر ربما ليواسي شخصياته ؟ ، ولكنه لا يدعك تفكر كثيراً ، فالفرق بين حماس آمبر في وضعها لمساحيق التجميل في المشهد الأخير ومزاحها مع زوجها ثم نظرتها لنفسها في المرآة ، والفرق بين الكلمات التي يحدث بها ديرك نفسه أمام المرآة ثم حقيقة ما يشاهده حينما يفتح بنطاله كلها تبرز كيف أن الصورة خادعة ، وأن كل ما تشاهده ليس حقيقي ، بل وتكتشف أيضاً في النهاية أنك تشاهد أحداث عالم ممل لا يكف عن تكرار نفسه أبداً ، فالبداية كالنهاية ومع ذلك لن يكف هذا العالم عن تجديد نفسه من خلال هذا التكرار أبداً.

بعيداً عن أحداث الفيلم ، بإمكانك أن تدرك جماليات السينما التي يصنعها بول توماس آندرسون ، واستناده على عناصر واضحة قوية تجعل من أفلامه عالم مميز وقوي ، وهذا يتجلى فيما يطرحه من خلال الفيلم بالاضافة الى عناصر الصورة التي لا تستطيع إغفال جمال تكوينها مع حسن اختيار ممثليه الذين أحسنوا الآداء ، وهنا يجب ذكر فيليب سيمور هوفمان والذي على الرغم من صغر دوره إلا أنه استطاع ابراز نفسه فيه وبقوة ، بقوة تخطف الكاميرا ناحيته حتى لو كان هو في خلفية المشهد لا يقوم بدور أساسي فيه.

في عالم بوجي نايتس اختار بول توماس آندرسون نموذجاً مصغراً متطرفاً عن عالمنا كله ، إلا انه استطاع تلخيص ونقل ما يكتنف هذا العالم من ضجيج وخوف وفوضى ، فسواء كنت إحدى شخصيات بوجي نايتس أو لم تكن فأنت لا تعرف أبداً ماذا ينتظرك وماذا سيحدث لك في لحظاتك التالية أو ما هو المبرر المادي الواضح لحدوث أي شيء ؟.