الثلاثاء، 22 يوليو، 2014

Terms of Endearment

كتب : عماد العذري

التقييم : 5/5

بطولة : شيرلي ماكلين , ديبرا وينغر , جاك نيكلسون
إخراج : جيمس ل. بروكس (1983)

عن رواية للاري ماكمتري يتناول الفيلم الأول لجيمس ل. بروكس و الذي منحه ثلاث جوائز أوسكار شخصية عام 1983 ثلاث عقود في حياة أوروا غرينواي و إبنتها إيما , و يفتتحه بمشهد لا يتجاوز الدقيقة الواحدة لكنه يكون كافياً لنعرف طبيعة العلاقة التي ستربط المرأتين : أمٌ مهووسة بطفلتها و شديدة التعلق بها , وعندما تمر مرحلة المراهقة و تفلت إيما من إنفتان والدتها بها تتعلق بمعلم في مدرسة يدعى فلاب هورتون و تتزوجه فتجد أورورا نفسها بعيدةً عن الهوس الذي غمر حياتها طوال عقدين ماضيين , عندما تكتشف فجأةً بأنها أصبحت جدة و أن الوضع الآن لم يعد كما كان سابقاً .

العمل بمجمله هو في الواقع عبارة عن فيلمين يشغل أولهما ثلاثة أرباع المدة تقريباً , في الفيلم الأول يراقب بروكس على مدى عقودٍ ثلاث العلاقة الخاصة بين أمٍ مهووسة بإبنتها و إبنةٍ يملأ الإشراق و التفاؤل حياتها رغم أنها لا تسير كما تحب دائماً , هوس ليس مصدره وحدتهما كما نفهم من المشهد الإفتتاحي الذكي الذي يقدم لنا كيف أن أورورا تفقد زوجها عندما تكون إيما في العاشرة بينما هوسها بإبنتها بدأ مع مولدها , و من خلال مشاهدٍ متوازنةٍ و مدروسة يحاول بروكس أن يخبرنا بأن هوس أوروا بإبنتها لم يتوقف حتى مع بلوغها العشرين , أمرٌ يكتمل عندما تصر إيما على الزواج من فلاب هورتون المدرس الفاشل الذي لا تحبه أورورا , في هذه الجزئية يعمل بروكس بذكاء على تقديم فلاب هورتون بطريقة حيادية : هو يشعرنا بأن الرجل فعلاً ليس شخصاً مميزاً و أن تميزه يكمن فقط في عيني إيما التي تحبه و تحب كل ما يفعل , و في الوقت ذاته لا ينفي أن موقف أورورا السلبي من فلاب ينبع ربما أيضاً من شعور أمٍ مهووسةٌ بإبنتها التي تسلب منها , الشعوران يكتملان مع تقدم الأحداث تدريجياً , فحياة فلاب هورتون مع إيما لا تتقدم , و لا يتمكن الرجل من الإرتقاء إلى حياةٍ مرفهة لعائلته , في الوقت ذاته يبدأ شعور قاتل من الفراغ في حياة أورورا نلمسه في حفلٍ تقيمه بمناسبة زواج إبنتها عندما تغضب بشدة لخبر حمل إبنتها , ترسم فيه شيرلي ماكلين بعبقرية نظرةً تجمع خشية أورورا من أن يكون قربها الشديد من إبنتها قد إنتهى إلى الأبد و ربما غضبها الخفي أيضاً من كونها أصبحت جدة , في هذه الأثناء تشكل أورورا نظرة مبدأية سلبية تجاه جارها غريب الأطوار غاريت بريدلوف ، رائد الفضاء السابق الذي يعيش على أمجاد الماضي في ظل ما يعانيه من فراغ واضح , نظرة منطلقها حجم الغرائبية و الفراغ الذي ترى أورورا بأنه يعيشه , لكن أورورا في الواقع لم تكن أفضل منه , و عامان كاملان من العزلة يكونان كافيين لتصبح أورورا صديقةً مقربةً من جارها المجنون , في تلك الفترة كانت إيما قد أنجبت طفلها الثاني , ما يصر بروكس على أن يظهره لنا هو أن علاقة أورورا بإيما لم تتوقف رغم المسافة التي تفصلهما , وهو أمرٌ يعود , قبل أن يكون للنص يدٌ فيه , للكيمياء العالية جداً بين شيرلي ماكلين و ديبرا وينغر اللتين تنالان معاً ترشيحاً لأوسكار أفضل ممثلة , جدية الأولى رغم عاطفتها الداخلية و البهجة التي تنطق في عيني الثانية كافيتان تماماً لجعل العلاقة نابضة و حقيقية على طول الخط مهما كان تباعد الشخصيتين مكانياً و زمانياً .

العلاقة بين أورورا و إيما لا تقدم من منظور بعدٍ واحد هو بعد الأمومة , بل من منظور بعدٍ آخر هو الصداقة , أورورا و إيما هما أفضل صديقتين لبعضهما , في أحد المشاهد تصر أورورا على أن تقوم إيما بإجهاض حملها الثالث وعندما تسألها إيما (لا أدري لماذا أخبرك) تقول لها أمها (أتدرين إيما ؟ لأنني الشخص الوحيد الذي يخبرك الحقيقة) , هذه الجزئية لا يغفلها بروكس بل يقدمها بعناية تجعلها جزئيةً غنية في الفيلم , في كل مشكلة تواجهها إيما نرى مكالمةً هاتفية بين إيما و أورورا , في كل منعطف من منعطفات حياتها تكون أورورا موجودة , و عندما تنجب طفلها الثالث و يتدهور وضعها المادي بشدة تنحرف حياة إيما بعيداً عن نظر والدتها في علاقة عاطفية مع موظف بنك أنقذها من موقف محرج في سوبر ماركت , غافلةً عن علاقةٍ سرية لزوجها مع إحدى طالباته , في ذات الوقت التي تنحرف فيها حياة والدتها أيضاً مع جارها غاريت بريدلوف , الذي يقدم فيه جاك نيلكسون (الذي قاده بروكس لإثنين من أوسكاراته الثلاثة) شخصاً مقنعاً للغاية رغم غرابة أطواره عندما يستغل بروكس مشهد الشاطيء المجنون ليقدم سحر الرجل و جاذبيته و وقاحته كذلك , خصوصاً عندما ينجح في إقناع إمرأةٍ خمسينية وحيدة بالإنجذاب نحوه . كل هذا يحدث دون أن ينقطع تيار التواصل و لو للحظة واحدة بين أورورا و إيما , حتى وان لم يصعد ذلك إلى السطح ، و اكتفى بالإعتماد على الإحساس , الحوارات العابرة , و الكيمياء العالية بين الممثلتين ليقنعنا بطريقة صادقة بالوتر الذي لم ينقطع بينهما .

في الفيلم الثاني و دون مقدمات سابقة تصاب إيما بورمين خبيثين ليبدأ الجزء القاتم في الحكاية , في واحد من أذكى مشاهد الفيلم تسافر إيما مع صديقتها باتسي إلى نيويورك لتستعيد معنوياتها عقب الخبر الصادم , خصوصاً أنها لطالما حلمت بالذهاب إلى نيويورك , يصور لنا بروكس كيف أن صداقتها البسيطة مع صديقة طفولتها أهم و أعمق و أكثر بقاءاً من تلك العلاقات التي شكلتها بيتسي في نيويورك , و كيف أن العلاقات المصطنعة المصبوغة بالكثير من المادية في مدينةٍ ماديةٍ كنيويورك يشوبها الكثير من المشاكل الأعقد بكثير من ورمها الصغير (الأمر ليس تراجيدياً إلى هذا الحد , الناس تشفى منه) , هنا تفقد إيما إهتمامها بالحياة و تبدأ بالتفكير بمستقبل جيد لأطفالها , منعطف يصل فيه أداء ديبرا وينغر البراق طوال الأحداث السابقة إلى ذروة بريقه : كيف تحاول إيما إبقاء إشراقها و تفاؤلها رغم قرب نهايتها , قلبها الأبيض و إنكسارها بمجرد كلمة جميلة تسمعها من زوجها , قبل أن تودع ولديها في مشهدٍ لا يمحى من الذاكرة .

Terms of Endearment تأمل عميق للغاية رغم بساطة سرده في العلاقات التي رافقتنا منذ بداياتنا , تلك العلاقات الحقيقية التي لا تتمزق و لا تصدأ مهما كانت الصعوبات التي واجهتها , ربما لأنها بسيطةٌ للغاية , حقيقيةٌ للغاية , صادقة و نابعةٌ من القلب .. للغاية , جيمس ل. بروكس يقدم في ظهوره الأول عملاً للذكرى , يضرب في صميم الدراما , و يرسخ قدمي الرجل كواحد من أفضل من يقدمون هذه النوعية من الدراما ، خصوصاً عندما يؤكد نجاحه هنا بتقديمه بعد أربعة أعوام من هذا الفيلم عمله السينمائي الأكثر قيمةً برأيي Broadcast News .