السبت، 28 يونيو، 2014

A History of Violence

كتب : محمد المصري

التقييم : 5/5

بطولة : فيغو مورتنسن ، ماريا بيلو ، إد هاريس
إخراج : ديفيد كرونينبيرغ (2005)

في كافة أفلام ديفيد كرونينبيرج القديمة ، على رأسها  Videodrome،  The Fly، Dead Ringers ، يكون "المشروع" أو "الفكرة العامة" التي تجمعها هي "الوعي بالجَسَد" ، تحولاته الفيزيائية من شيءٍ إلى شيء ، ليخلق كرونينبيرج لنفسه، على مدارِ عقدين ، شكلاً مختلفاً جداً من سينما مُتطرّفة وشديدة الحدّة ، ونوعاً خاصاً من أفلامِ الرُّعب الذي صار مُقترناً باسمه ، رفضه النقَّاد طويلاً ، قبل أن يقدروه بشدّة بعد ذلك.

بعد وصوله للستين من عمره ، هدأ الرجل كثيراً ، ظل يشغله أيضاً أمر "التحوُّلات" ، ولكن بصورة مُختلفة ، أقل خيالاً وعُنفاً من التحول المادي والفيزيائي الذي يجري في أفلامه القديمة ، ولكنها تَحْمِل نَفس العُمق والحدَّة والتطرُّف في تعبيرها.

في A History of Violence يتناول المخرج الكندي قصة رجل عائلة يدعى توم ستال ، يعيش حياة هادئة في بلدةٍ صغيرة ، يتغير كل شيء حين يتعرض المقهى الذي يعمل به لهجومٍ من رجلين مسلحين ، يصبح بطلاً محلياً حين يقتلهم باستخدامٍ بارع للمسدس ، قبل أن يُفْتَح عليه ذلك جحيماً غير مُنتظراً ، حين يحضر رجل غريب بعينٍ واحدة يناديه"جوي كوزاك" ، ويطلب منه السفر معه لتصفية ماضي قديم ، مدمي وعنيف جداً.

كل ما في هذا الفيلم هو عن نوعٍ عَميق من التحوُّل ، قصته الأساسية ، كل مشاهده وخيوطه الفرعية ، حركة الأجساد ، النَّظرات ، كل شيء ينطِق بفكرة التحوُّل التي هُوِسَ بها مُخرجه : كيف يتحوّل عامل المَقهى "توم ستال" لمُقاتل بارع يستخدم المُسدس بثقة ؟ ، كيف ينقلب رب العائلة لصورةٍ عَنيفة ودَموية من شخصٍ قديم يَبدو وكأنه انبعث كي يحمي عائلته ؟ ، كيف يتغيَّر شكل العلاقة الجسدية بينه وبين زوجته من (رقَّة) و(عادية) توم ستال لـ(غُلْظَةِ) و(عُنْف) جوي كوزاك في مشهدين جنسيين حواهما الفيلم ؟ ، الصورة التي يتغيَّر بها "جاك ستال"، الابن ، من مراهقٍ جبان لشخصٍ أكثر عُنفاً ؟ ، أو تِلك التي يُنهي جوي كوزاك مُهمته ، ثم يَذهب إلى النهر في واحدٍ من أكثر مشاهد (التطهر) التي لا تُبارح مُخيّلتي من أجل أن يعود لشخصية "توم ستال" ؟ ، كل شيء فعلاً يدور حول كلمة (التحوُّل) و(التغيُّر) ويحاول الفيلم التقاط تلك اللحظات التي تَجعلنا شخوصاً آخرين ، بذاتٍ أخرى غير التي نحنُ عليها قبل ذلك.

وعلى عكسِ أفلامه الأقدم ، فإن كرونينبيرج لا يَحمل في هذا العمل تجربة جسدية عَنيفة يمر بها بطله ، لا خطأ علمي يُحوله لذبابة ولا يد تُصبح مُسدساً ! ، ولكن بصورةٍ أخرى يَبدو الأمر أقسى ، لأنه يتحوّل هُنا من شخصٍ إلى شخص ، ولشدَّة هذا التحوُّل يظن أنه انتهى من ماضيه كُله ، لن يراه ثانيةً ، كأن الحياة توقَّفت عند نُقطة مُعينة ، ثم انفتحت لتبدأ من جديد ، ولكنه لم يستطع الهرب إلى الأبد ، ووجد ذاته الأخرى لازالت موجودة ، بداخله ، تُطارده ، وتُدمّر وجوده الحالي ، وهنا تحديداً يَكْمُن أسى الفيلم كله ، وعَظمته الحقيقية ، عن رجلٍ يُصارع آخر يعيش بداخله ، وفي كل ماضيه.

"
لقد ظننت أنني قتلت جوي كوزاك ، أنه لن يظهر مرة أخرى ، ذهبنا إلى الصحراء ودفنته ، وظللت 3 سنوات لأصبح توم ستال".

وفي المشهدِ الأخير ، يعود "توم ستال"، وليس "جوي كوزاك"، إلى البيتِ ، بعد التطهُّر الأخير بالدّمِ والماء ، قَطعات متتالية من "كرونينبيرج" على الوجوهِ ، ثم تذهب طفلته لتحضر طبقاً رابعاً تضعه على منضدة الطعام ، في مُحاولةٍ للغفران ، نسيان الماضي ، قبول الذات الجديدة بينهم ، يَجْلسُ ساكتاً ، وهم ساكِتون ، يَنظرون لبعضهم ، بأملٍ وحُزن ، ثم تُظْلَم الشَّاشة ، نهاية عَظيمة لفيلمٍ عظيم.