الأحد، 15 يونيو، 2014

Distant Voices, Still Lives

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 4.5/5

بطولة : بيت بوستليث ويت ، فريدا دواي
إخراج : ترينس ديفيز (1988)

"أنت غير مرحب بك إن أردت صنع السينما كفن، تلك التي على المشاهد تفسيرها بنفسه .. أعني بواسطة عقله الشخصي" ترينس ديفيز

طريقة ديفيز في استعادة الذكري ليست على هيئة نص متماسك أو بناء متصاعد ، ديفيز يستعيد ذكرى الطفولة والمراهقة بصورة شاعرية مماثلة لشعور من يتصفح ألبوم صور العائلة ، من الطبيعي لأصحاب الذاكرة الجيدة أن تكون كل صورة لها ذكري منفردة ، لكن ديفيز يربط كل صورة بأغنية بعينها ، مثلما جعل مواطنه (ديكنز) حياة المهمشين جديرة بالاهتمام ، جعل ديفيز تلك الحياة شعرية غنية ، وإن كانت حياة صعبة كحياته هو.

ديفيز في الجزء الثاني من ثلاثيته شديدة الذاتية يصنع فيلمين داخل فيلم واحد ، الفيلم الأول (أصوات بعيدة) تركه لظلال الأب وهواجس الطفولة ، بينما الفيلم الثاني – والذي تم استكماله بعد عام من تصوير الأول – (لازالت حية) كان متنفس للأرملة والأبناء ، الأب شخصية غريبة حد الواقعية ، عنيف صامت متقلب ، يملك بعض الملامح الطيبة داخل شخصيته لكنها تظل شخصية مفزعة للأم وللأبناء ولنا كمشاهدين ، الأم رزينة دافئة تحاول بصبر التأقلم مع تلك الحياة ، ولكنها – مثل أبنائها الثلاثة – لا حيلة لها وسط هيمنة الأب واللحظة الزمنية.

طريقة تلك العائلة من (ليفربول) في النجاة / الهروب كطبقة عاملة في أربعينات وخمسينات القرن العشرين جديرة بالملاحظة والاهتمام، غنائهم سوياً خلال المناسبات ودونها والتي يتذكرها ديفيز جيداً ، الفيلم قائم تماماً على تلك الأغاني والصور وإن لم يكن فيلم غنائي ، في مقابل تهميش الحوار وإنعدام الحبكة يمنحنا ديفيز تجربة شديدة التفرد والخصوصية.

على الرغم من وفاة والد ديفيز ومخرجنا طفلاً في السادسة من عمره ، لكنه يعتقد أن ما رآه من أبيه كان كفيلاً بتدمير ما تبقى من حياته ، كل يوم يشعر بأثر الأب السلبي عليه حيث يقول أن الضرر الذي يتعرض له الطفل يستمر لأطول فترة ممكنة ، كما أن إحترام الذات والثقة فيها يتلاشي للأبد ، كان هذا واضحاً في فيلم ديفيز حيث يمكننا ملاحظة (تأثير الفراشة) الهائل للعنف المنزلي على الأطفال ، بدون أي وعظ أو ملمح مباشر.

نرى الأب أثناء احتفالات عيد الميلاد داخل غرفة الأطفال النائمين ويملؤه العطف والشفقة ، هذا المشهد يفتح الباب للتساؤل عن طبيعة عصر الحرب وطبيعة الحياة التي تعشها الطبقة العاملة ، الفيلم لم يعطي مساحة للمدينة (ليفربول ما قبل البيتلز) أو السياسة ولكنهما شكلا خلفية قوية ، ربما تلك الخلفية أثرت على الأب وساهمت في جعله ما هو عليه ، لكن ديفيز يُفسِّر ولا يغفر، فهو يؤمن بالجزء الأول من مقولة مواطنه الآخر (شكسبير) بأن الجحيم فارغ وإن كانت الشياطين ليست معنا، إنما فينا.