الأربعاء، 14 مايو، 2014

Dial M for Murder

كتب : محمد المصري

التقييم : 4/5

بطولة : راي ميلاند ، غريس كيلي ، روبرت كومينغز
إخراج : ألفريد هيتشكوك (1954)

لم يتعامل النُّقاد مع هذا الفيلم باعتباره واحداً من أفلامِ هيتشكوك الهامة ، و الأغلب فإن السبب الرئيسي لذلك هو بعض الترنُّح الذي يعاني منه في فصله الخِتامي ، و الشكل المُفتعل نسبياً الذي نصل فيه لنُقطة الحَل ، و لكن ما قبل النهاية المُتوسطة ، فإن هذا العمل كبير بالفعل.

القصة عن رجلٍ يكتشف خيانة زوجته ، و لأن موتها سيدر عليه ، إلى جانبِ شعور الانتقام ، 90 ألف أسترليني قيمة ميراثها الذي سيذهب إليه ، فإنه يخطط لقتلها بما يعتبره (الجريمة الكاملة) ، عبر استغلال صديق دراسة قديم و تفاصيل مَوْضوعة بدقة متناهية ، و حين تفشل تلك الخطة و تكون الزوجة هي من قتل القاتِل المأجور دفاعاً عن نفسها ، فإن الزوج يقوم بالتلاعب بكل شيء و ترتيبه مرة أخرى ، من أجل خطة أكثر عبقرية : أن تبدو الزوجة هي من خططت لقتلِ الصديق القديم .

هناك شيئين مُبهرين في هذا الفيلم بالنسبةِ لي ، الأول : هو ولاء هيتشكوك الكامل لمسرحية الحكاية ، أمر حدث قبل ذلك في 
Rope بسبب خصوصية التجربة ، و لكن هنا ، و في عملٍ أكثر حرية ، فهو يَلتزم تماماً بالمكانِ الواحد ، و الشيء العظيم أن هذا المكان الواحد يبدو بوسعِ العالم ، محتملاً حكاية و تفاصيل مُعقَّدة بهذا الشكل ، هيتشكوك لديه تلك القدرة على شَدّ أوتار الترقُّب في كل لحظة ، لدرجة أننا ننسى في بعض الأحيان أن 95% من الأحداث تدور بداخل شَقة ، النصف ساعة الأولى التي تعتمد على المشهدِ الحواري الطويل بين الزوج توني و ابتزازه لصديقة القديم ليزجات من أجل ارتكاب الجريمة هو وَقت لامِع جداً بسبب القدرة التي يستحوذ بها علينا ، حتى إخراجياً ، يبدأ هيتشكوك في تصويره بلقطاتٍ تقليدية للمشاهد الحوارية ، و حين يبدأ توني في شرح ِالخطة فإن اللقطاتِ تُصبح أكثر تحرراً و تلاعباً ، لقطات رأسية أو جانبية أو مُنخفضة بشكلٍ غير مُعتاد ، و استخدام مُذهل للضوءِ و الظّل ، كأنه تماهي بَصري مع مقدار الحدة و الذكاء و الشيطانية في الخطة.

و لاحقاً لا نَشعر في أي لحظة أن المكان ضَيّق بنا ، و على عكسِ الأفلام المسرحية فإن هذا الفيلم لا يبدو مسرحياً ، رغم وحدة المكان ، بسبب كثافة الأحداث و تعقُّدها ، و الصورة الوحيدة التي يطرأ بها الفيلم على ذهني هو أن هيتشكوك طَوَع العالم و طَوَاه بين تلك الرُّدهة وحجرة النوم.

الأمر الثاني العظيم هو أن هيتشكوك ، و في كافة أفلامه ، يَتبع النموذج الكلاسيكي للسينما عن الصوابِ و الخطأ ، الجريمة ثم العقاب ، و ما كان لأحدٍ أن يستطيع تغيير ذلك ، و لكنه في المُقابل كان يمنح نفسه حق الانحياز الكامِل في جهة (المُجرم) ، يمكن ملاحظة ذلك في أفلامٍ سابقة على هذا الفيلم كـ
Notorious و Strangers on a Train أو لاحقة كـ Psycho ، ذلك لأن هيتش ، الفتى الصغير الخائف ، المُنْطَوِي ، المَنبوذ ، الذي يشعر بكونِه على هامشِ العالم ، يُجيد التعاطُف مع الخائفين المُنْطَوِين  المنبوذين الذين يشعرون بأنهم على هامِشِ العالم.

في هذا الفيلم ، لا يُمكن مُغالبة إعجاب هيتشكوك المتناهي بـ(توني) ، في درجةٍ ما يبدو وكأنه يَرْسِم عملاً فنياً حقيقياً و ليس جريمة قتل ، و بصرياً يُدَعم الرجل ذلك كما ذكرت ، الزوجة و الصديق هم خَوَنة ، و توني هو شخص مُضْطَهَد بصورةٍ ما ، بعيداً عن الجانبِ المادي ، و لذلك فنحن ، كمشاهدين ، و دون أن نشعر ، نجد أنفسنا متورّطين معه في الجريمة ، نُعجب بذكاءه ، لا نفهم في البداية لماذا يعيد ترتيب التفاصيل بذلك الشكل في مكان الجريمة ، و حين نَفهم خطته البديلة فهو يأسرنا تماماً ، و يكتمل هذا التورُّط حين نجد أنفسنا نتمنى نجاحه ، و رغم يقيننا ، في مشهدِ الخِتام ، أنه سيأخذ المفتاح و يفتح الشقة ، فهناك شيء ما تمنى أن يَرْحل  بعيداً ولا يفعل ذلك.

و المُشكلة الحقيقية في العمل هو طريقة كَشف الخطة البديلة و صولاً لنقطةِ عِقاب القاتل ، أمر يحاول هيتشكوك تجاوزه بـ(كاركتر) مميز كالمحقق العجوز هوبرد ، و لكنه لا يكفي تماماً لحِمل المُصادفات المتتالية التي تقود لكشفِ جريمة فاتنة بالفعل ، لذلك فهذا العمل ليس فيلماً عظيماً ، ليس من ذروة أفلام هيتشكوك ، و لكنه عمل هيتشكوكي بامتياز ، يُمكن أن تعرف الكثير عن الرجلِ من خلاله.