الجمعة، 25 أبريل، 2014

Werckmeister Harmóniák

كتب : محمد السجيني

التقييم : 4.5/5

بطولة : لارس رودولف ، هانا شيغولا ، بيتر فيتز
إخراج : بيلا تار (2000)

في المَجر ، وبعد ثلاثة افلام فقط ، وُصِفَ بيلا تار بأنّه (مُخرج بشِع) ، قرأت ذات مرّة ، ولم اتعجّب حين يدخُل احد ما عالم من عوالم بيلا تار ، يجد نفسه مُنعزلاً بالضرورَة ، يتوحَّد مع ابطاله ، ويبدُو مثلهم تماماً ، دخلت عالم بيلا تار ، وصدّقته ، صدّقت غُربة شخصيّاته ومُعاناتها من تراكمات الزمَن ، صدّقت ضبابيّة سمائه وبرد اجوائه ، اندمَجت في حركته المحدُودة وايقاعه البطيء ، حتّي ثقلت نفسي .

وفي عمله هذا ، مستوحيًا رواية The Melancholy of Resistance يتحدّث بيلا تار عن بلدة مجريَّة ينتابها الكساد الاقتصَادي ، ويأتي الكثير من الناس فاقدي الاخلاق والانسانيّة واقفين لمُشاهدة سيرك مُتجوِّل في مقطُورة عملاقة تحوي حوتًا ضخمًا ويُدير السيرك شخص مَجهول يُدعي الأمير ، لا حُضور له وانّما يظهر ظلّه فقط ، بعدها يختل نظام البلدَة ويتوجّه المئات الي مُستشفي البلدَة ويدمّرونه .

بيلا تار لا يعرِض قصّة مُسلسلَة واضحَة المعالم ، لكنّه ايضًا لا يعرض عملاً شديد الرمزيّة مُستحيل القراءة وانّما يطرَح تساؤلاته من خلال (يانوس) شخصيّته الرئيسيّة ، وهو غارق في نظريّات موسيقي الماني يُدعي فركمايستر - عاش في القرن السابع عشر – و يناجيه يانوس كمجَاز عن المُوازنة بين الجمال والفلسفة في الموسيقي ، ويُجبر مُشاهديه علي التعمُّق في شخصيّاته وحواراته ، يطرَح التساؤلات ويبدُو كمن يسعَي للإيمَان والكمال الروحي ، وكعادته يتحدَّث عن البؤس ، والفراغ الروحي ، والنفوس المُثقلة ، احبُّ هذا الرجُل في جزئيّة لا يجيدهَا أي مُخرج آخر - باستثناء الروسي العظيم اندريه تاركوفيسكي - الرجُل يمنح أحداثُه فترتها الزمنيّة كاملة علي الشاشة ، يُتابع مُمثّليه في كُل لحظاتهم وحركاتهم ، يجعل صمتهم مُوحيًا و بذلك يجعل أي شيء تلتقطه الكاميرا هو حدَث قائم بذاته وبالتالي يبطيء بيلا تار مشاهده ، يستخدم اللقطَات الطويلَة - في فيلمه هذا استخدم 39 لقطة فقط في ساعتين وعشرون دقيقة !! – و تكُون افلامه بالأبيض والاسود ، لا يكترث بالايقاع اطلاقًا ويبدُو كمن يرصد الحياة بايقاعاتها المُختلفة .

هذا فيلم عن الموت القريب الذي يمتص الحيَاة ، عن الضبَاب الذي يكتنف النفوس ويقيّدها ، يُحَاول فيه الرجُل اكتشاف اوروبا الشرقيّة واوضاعها ، ويرسم صورة مُتشائمة للوضع ، ينجَح في زرع مضمُونه في الشكل الذي اختاره منذ بداية مشواره السينمائي ، ويجعلني اتيقّن انّه مُخرج عظيم ،عندما اتأمَّل النتيجَة النهائيّة لحكايا بيلا تار ، اخرُج راضيًا .