الثلاثاء، 2 يونيو، 2015

البداية

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 3.5/5

بطولة : أحمد زكي ، يسرا ، جميل راتب
إخراج : صلاح أبو سيف (1986)

هذا فيلم ظريف حقاً ، أعتقد أنها أول تجربة لي مع صلاح أبو سيف حيث يكون مؤلفاً ، وليس مُقتبِساً ، على ما يبدو أن الرجل كان يجيد الكوميديا ، لكنه انتظر كثيراً حتى نرى ذلك ، حيث قدم أعمال درامية عدة أصبحت من أهم أعمال السينما المصرية ، فيلم (البداية) ربما لا يكون في الصف الأول من أعمال أبو سيف ، لكنه يبقى من مفضلاتي له ، حيث يمكننا ملاحظة أنه عمل تم صنعه باسترخاء كبير ، وسخرية أكبر.

ينتهي الفيلم بعبارة للمخرج يخبرنا فيها أنه ود لو كان الفيلم بعيد عن الواقع ، لكن الطبع يغلب التطبع ، فأصبح الفيلم واقعياً مثل بقية أفلامه ، ربما كان كلامه صحيحاً على مستوى طرحه الذي قدمه ، فالفيلم كان استعارة ساخرة من الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية في البلاد ، أوضاع حالية وأوضاع تنبأ بها فحدثت فيما بعد، كترديد عبارة "الثورة مستمرة" مثلاً ، أحداث أخرى لم تحدث ، مثل المفاوضات بين السلطة والثوار كحل سلمي بعد المظاهرات.

الفيلم يبقى لديه أكثر من ذلك ، فهو يهتم بالحالة الإنسانية في صورتها البدائية ، على غرار عنوانه يفترض كيف لو تكون البداية ، بعد أن تعلمت البشرية درسها ، أو هل تعلمته حقاً ؟ على مستوى التفاصيل ، الفيلم ليس واقعي بالمرة ، حيث تبدو مثلاً ملابس المجموعة التائهة في الصحراء وكأنهم أمضوا يوماً واحداً فقط فيها ، لكن مقصد أبو سيف بالنسبة للواقع – كما رآه دوماً – معنى ، وليس شكل.

على أي حال لم تستمر البداية طويلاً ، فالنهاية تأتي متى اكتشف الإنسان رغبته في الملكية ، فيلجأ للعنف والجريمة. الفيلم امتلك الكثير من الجرأة فعلاً ، فأشار إلى السلطة التي تستخدم الدين كوسيلة قمعية ، تساعد في بقاء الأوضاع كما هي عليه ، ورضاء الشعب بقدر مزعوم لا فرار منه ، حيث يكون المُلكُ من عند الله فقط ، (نبيه) رجل الأعمال والمحامي مثَّل السلطة في سعيها استغلال جهل المجتمع ، محاولة إلصاق تهمة الإلحاد بالديمقراطية وتصويرها كعمل شيطاني.

السلطة كذلك تحتاج إلى ذريعة لوجودها ، ولا يوجد سبب أهم من تنظيم الحياة في مقابل نهب الثروة بالطبع ، كما تحتاج كذلك إلى بسط نفوذها وإحكام قبضتها الأمنية ، لذا كانت الحاجة لفرض الأخلاق بالقوة ، أي فرض الشرطة. كل شيء يبدو عقلاني ، وكل المبررات منطقية ، جميع من في الواحة حسن النية ، لا يوجد شخص سيء النية سوى المثقف الذي يعرف التاريخ جيداً ، بالإضافة إلى المشاهد طبعاً.

السلطة كذلك احتاجت إلى استمالة العلم والإعلام ، حتى تتمكن من السيطرة الكلية على عقل الشعب ، فطالما الطريق إلى قلبه مستحيل ، عليهم أن يجعلوه بلا قلب ، كما أصبح بلا عقل ، الشيء الظريف أن تلك السلطة جاءت بالصدفة البحتة ، عن طريق لعب (الملك والكتابة) ، شيء طريف لابد أن يذكرني بالقدر الكاذب في فيلم الأخوين كوين No Country For Old Men ، وإن لم يكن بتلك القتامة طبعاً ، كما قررت السلطة أن مساعدة المريض والعاجز تقع مسؤوليتها على الأفراد وليس الدولة ، لو كان الفيلم متشائم أكثر لأوحي أن مسؤولية كل شيء ستقع على الأفراد بالكامل مستقبلاً.

الفيلم به عدد لا بأس به من الأغاني الساخرة من الاضطهاد والديكتاتورية ، ربما النزعة الوطنية كذلك ، موسيقى عمار الشريعي تأرجحت بين موسيقى خفيفة الظل وموسيقى ثقيلة الوقع. التصوير لم يكن ساحراً رغم الموقع البديع والإمكانية المتاحة ، لقطة واحدة جديرة بالثناء في أول الفيلم تظهر يد تحجب الشمس ، المونتاج كان جيد خاصة حين لجأ إلى القطع التبادلي الفكاهي بين حوارين مختلفين لكن بينهما توازي.

الكوميديا داخل الفيلم كانت رزينة مما زادها جمالاً ، تناولت السخرية من أوضاع البلد الاقتصادية ومن رجال الأعمال اللصوص ، بالإضافة إلى تلميحات مبطنة كالخطر الشيوعي والعلم الأحمر ، لم يلجأ الفيلم إلى الاستخفاف سوى لبعض الوقت في مشهد المحاكمة ، ولكن تم تعويض ذلك بأن لعبت السلطة دور القاضي والمحامي والنيابة العامة ، يظل أفضل لحظات الفيلم عندما سخر مما يقدمه التلفاز بكسر واضح للواقعية ، كما يبقى الفيلم مديناً بدين هائل للمعلم بونويل ، وتلك عبارة أجدها لاإرادية عند التحدث عن تلك النوعية من الأفلام.

"وبتبنوا بيت اللي سرقكم، وحكمكم بالصدفة العامية."