الأحد، 17 مايو، 2015

باب الحديد

كتب : خالد إبراهيم

التقييم : 4.5/5

بطولة : فريد شوقي ، هند رستم ، يوسف شاهين
إخراج : يوسف شاهين (1958)

بالطبع لا أعتبره فقط فيلم يوسف شاهين الأهم ، لكنه – طبقاً لقليل أفلام رأيتها – الفيلم المصري الأكثر كمالاً.

يبدأ شاهين فيلمه بقطع سريع يصاحبه صوت راوي يخبرنا بالصورة العامة مع بعض تشويق محتمل ، كل شيء يوحي بأننا سنلعب اللعبة "النوارية" الكلاسيكية ، لكننا أثناء مشاهدة الفيلم سنلاحظ لمسات موسيقية ، سياسية ، اجتماعية ، نفسية ، الأمر الذي حير بعض النقاد الأجانب ، حيث أتت الحيرة من تصنيف فيلم نجح – رغم الخلطة المربكة – ألا يصبح "فيلم عربي" آخر.

من البداية شاهين يذكرنا دائماً بالساعات التي تتجاوز محدودية محطة القطار ، فتكون مؤرخة للفترة الزمنية التي تمر بها البلد، في مقابل استحضاره الماضي في إحدى اللقطات يظهر بها قناوي مجاوراً لتمثال رمسيس ، لا يمكن الجزم إن كان شاهين يتهكم من حال مصر بين ماضي رمسيس المهيب وحاضر قناوي المزري ، ربما يود أن يخبرنا بأن قناوي عظيم بطريقته الخاصة ، لكن الشيء الأكيد أن الكادر لا يعني بالمرة أن قناوي مهيب من وجهة نظر هنومة الساخرة ، رغم أنها تعجبت لبرهة مثلنا.

التعامل البصري والسمعي مع شخصية قناوي كان شديد الحرص من قبل المخرج، فقد حاول إكسابه كثير من الغموض في البداية، قبل أن يقوم بتشريحه ببطء فيما بعد، فعند ظهور قناوي لأول مرة رأينا جسده ولم نرى وجهه، ثم رأينا وجهه لكننا لم نسمع صوته، ثم سمعنا صوته المتردد الخجول وسخريته المرة، لقطات شديدة القرب ترصد عين ذكية، متلصصة أحياناً، متحدية أحياناً.

كل شيء يوحي بغربة قناوي، عن المدينة .. المجتمع .. الحياة الإنسانية الطبيعية، لكن شاهين – بطريقة ما – لم يجعله غريباً عنا، بل جعله أكثر بشرية رغم غرائبيته. اللقطات القريبة لوجه قناوي وعينيه كانت تحدى صعب لممثل غير متمرس، لكن شاهين اتّبع بحب المعلم الأكبر دراير ، فلم يخذله الأخير.

أثناء المشهد الراقص، هنومة دعت قناوي لمشاركتهم الرقص، قناوي – بعد رفض – يرقص لكن خارج عربة القطار، ففي النهاية إن عرض عليه المجتمع الإندماج عليه ألا ينسى أنه سيظل دائماً بالخارج، سيظل غريباً.

أخيراً حصلت السينما المصرية على شخصية حقيقة يمكن تصديقها، ليست مثل النماذج المعلّبة أصحاب الحيوات الخيالية. الأمر الذي جعل فشل الفيلم جماهيرياً أمر حتمي، الجمهور ربما شعر بالإهانة لأنه لم يجد بطله الذي ينتظره، جمهور اعتاد أن يصير البطل قدوة يسعى المرء ليصير مثلها، بينما وجد هنا شخص منفر جدير بأن يفر منه! الفيلم رغم ذلك حقق نجاح نقدي ملحوظ وقت عرضه، ثم احبه الجمهور – أخيراً – عند عرضه تليفزيونياً.

الدقة في التفاصيل – الداخلية والخارجية – هي من جعلت الشخصية بتلك القوة، رغم أننا سنتعرف عليها فقط خلال يوم واحد، كما جعلت الفيلم ذاتياً للمجتمع بالكامل، ليس لشخص شاهين فقط، الكبت الجنسي عند قناوي كان نتيجة عدم قدرته على الحب، في أول ظهور لشخصية قناوي يسخر منه أحد العمال، يخبره بأن لا فتاة ستقبل الزواج منه إلا فقط من هي على شاكلته، قناوي رد الصفعة بذكاء لكن وسط مرارته.

شاهين أدرج على هامش الفيلم قصة حب خجولة أخرى، بين فتى ميسور الحال وفتاة لم نعرف عنها الكثير، حب متلصص موازي لحب قناوي وحيد الجانب، الفتاة تحرش بها لفظياً حمالين الرصيف، الإضافة الجميلة كانت اشتراك بائع العصير بعد أن حثه الرجال على ذلك، حيث اسقط عن المجتمع تعنته وسخريته في مواجهة الحب والجمال والعجز، حب لا يختبره، جمال لا يلحظه، عجز لا يسامحه، مجتمع يحرم بصرامة أفراده من أبسط المشاعر الإنسانية، لأنه بدوره محروم من كل ما هو إنساني، لا يمكن إيقاف الدائرة.

المشهد الذي أحسبه واحد من أجمل المشاهد التي رأيتها على الإطلاق، يقوم قناوي بتثبيت صورة على جدار غرفته، يرسم دلواً على كتف الفتاة التي بالصورة لتبدو في خياله هنومة، النظرة على وجهه، سقوط القلم من يده، انزواءه في زاوية الغرفة، تراجعه حيث لم يعد يحتمل، لم أرى كبتاً جنسياً، رأيت حباً، ربما تراجَع لأنه شعر بالحائل النفسي الذي سببه عجزه الجسدي والاجتماعي، ربما لأنه لم يحتمل تلك الطاقة من الحب التي شعر بها، على أي حال أحب أن أفكر في الأولى وأشعر بالثانية، قناوي قام بتعديل وضع السروال المنشور على أحد الحبال ليحجب الشمس عن وجهه أثناء إنزواءه في ركن الغرفة، حسناً لقد شعر بإنسانيته أخيراً.

قناوي سيراقب حب الفتاة والفتى، سيتعرف على الفتي الذي تنتظره الفتاة فور رؤيته، رغم أننا لا نملك المعلومات الكافية، لكني أحب أن أصدق أن تلك أول مرة يرى قناوي فيها الفتى، فتعرف عليه فوراً، لأنه لاحظ في الفتى ما لا يلحظه سوى محب ملتاع. شاهين سيصنع كادر بديع آخر أثناء استعمال الفتاة لكابينة الهاتف بينما يتلصص قناوي خارج الكابينة، الاثنان يمتلكان نفس حركة العينين (نفس الشغف والحب)، بينما يختلفان في الإضاءة، الفتاة تبدو معتمة بدرجة أقل من قناوي، فالحب المختلس يحب الظل كما نعرف.

استخدام الضوء والظلال لم يقتصر جماله على وجه قناوي، لكن في تصوير المكان أيضاً، خاصة القطارات، إن كانت الساعات أوحت بالزمن، فالقطارات أوحت بمروره، وكان مروراً مظلم وقاسي.

بجانب أداء باهر من شاهين – الوجه الجديد – كانت هند رستم غاوية كبرى، أنثى كاملة، قاسية متلاعبة، بينما (فريد شوقي) كان وجوده الجسدي ضرورياً، في مقابل أداء ضعيف زاخر بالخطابة والمسرحية، شيء ما بخصوص حمالين المحطة والنقابة ذكرني بعمل إيليا كازان On the Waterfront ، وهو الأمر الذي لم أجده محبباً، نظراً لاستحضار الذهن أداء براندو الذي لا يُنسى.

قناوي – كما يمكن بسهولة الاستنتاج – تعرض لطفول قاسية، فخلال استنكار هنومة من كيف يمكن للمرء القسوة على أطفاله، شرد قناوي مستعيداً ذكرى طفولته بالتأكيد، شاهين كان ذكياً حيث لم يعرض لقطة تفصح عن ذلك، كما كان ذكياً كذلك عندما لم يُقحم صورة هنومة في خيال قناوي أثناء رسمه الدلو على كتف فتاة الصورة. أثناء نفس المشهد يقوما الاثنان بالضحك بشدة على مجرد التساؤل من الجميل بينهما، تساؤل لن يكون مضحكاً بعد أن نتعرف أكثر على قناوي، في النهاية ماذا يعرفون عنه في مقابل ما نعرفه نحن!